لَمَّا خرَجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى أُحُدٍ رفَعَ حُسَيْلَ بنَ جابرٍ -وهو اليَمانُ أبو حُذَيفةَ- وثابتَ بنَ وقش في الآطامِ مع النِّساءِ والصِّبيانِ، فقال أحدُهما لصاحبِهِ: ما تَنتظِرُ؟ الحَقْ بنا؛ لعلَّ اللهَ يرزُقُنا الشَّهادةَ، فخَرَجَا، فدَخَلَا في النَّاسِ، فأمَّا ثابِتٌ: فقَتَلَهُ المُشرِكونَ، وأمَّا اليَمانُ: فاختَلَفَتْ عليه سُيوفُ المسلمينَ وهُمْ لا يَعْرِفونَهُ، فقال حُذَيفةُ: أَبي أَبي، قالوا: واللهِ ما عرَفْناهُ، فقال حُذَيْفةُ: يَغفِرُ اللهُ لكُم، فأراد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يَدِيَهُ، فتصَدَّقَ حُذَيْفةُ بِدِيَتِهِ على المُسلِمينَ، فزادَهُ ذلكَ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَيرًا، زاد إسحاقُ: وكان الذي قَتَلَهُ عُتبةُ بنُ مسعودٍ.
أخرجه ابن منده في ((معرفة الصحابة)) (338)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (2298)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) (317) واللفظ لهم جميعا.
لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، فكانت غَزوةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ للهِجرةِ، وانتَصَرَ فيها المُسلِمونَ انتِصارًا عَظيمًا سَمَّاه اللَّهُ تَعالى بيَومِ الفُرقانِ، وأذَلَّ اللَّهُ فيه كُفَّارَ قُرَيشٍ، وقُتِلَ صَناديدُهم، فأرادَ كُفَّارُ قُرَيشٍ أن يَثأروا لزُعَمائِهم، فكانت غَزوةُ أُحُدٍ في السَّنةِ الثَّالثةِ، ومِمَّا جاءَ في أحداثِ غَزوةِ أُحُدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا خَرَجَ إلى غَزوةِ أُحُدٍ، رَفَعَ حُسَيلُ بنُ جابرٍ، وهو اليَمانُ أبو حُذَيفةَ، وثابتُ بنُ وَقْشٍ في الآطامِ.
وهيَ الأبنيةُ المُرتَفِعةُ كالحُصونِ، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَرَكَهما مَعَ النِّساءِ والصِّبيانِ؛ لأنَّهما شَيخانِ كَبيرانِ، فتَذاكَرا بَينَهما ورَغِبا في الشَّهادةِ، فقال أحَدُهما لصاحِبِه: ما تَنتَظِرُ؟ الحَقْ بنا، أي: هَيَّا بنا إلى الغَزوِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرزُقُنا الشَّهادةَ، وفي رِوايةٍ: أفلا نَأخُذُ أسيافَنا ثُمَّ نَلحَقُ برَسولِ اللهِ، فخَرَجا، فدَخَلا في النَّاسِ، أي: في المَعرَكةِ، ولَم يَعلَمْ بهما أحَدٌ، كما في الرِّوايةِ الأُخرى، فأمَّا ثابتُ بنُ وَقشٍ فقَتَلَه المُشرِكونَ، وأمَّا اليَمانُ والِدُ حُذَيفةَ، فاختَلَفت أي: وقَعَت عليه سُيوفُ المُسلِمينَ وهم لا يَعرِفونَ أنَّه والِدُ حُذَيفةَ، وذلك بسَبَبِ الارتِباكِ الذي حَصَلَ للمُسلمينَ بسَبَبِ نُزولِ الرُّماةِ مِنَ الجَبَلِ، فاختَلَطَ المُسلمونَ بالمُشرِكينَ، والتَبَسَ العَسكَرانِ فلَم يَتَمَيَّزوا، فوقَعَ القَتلُ على المُسلِمينَ بَعضِهم مِن بَعضٍ، فكان حُذَيفةُ يَقولُ لَهم: أبي أبي! أي: هذا أبي اترُكوه، ولَكِنْ كان قد فاتَ الأوانُ فقَتَلوه، وقالوا: واللهِ ما عَرَفْناه.
فقال حُذَيفةُ: يَغفِرُ اللهُ لَكُم! وأرادَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ يَدِيَه، أي: يَدفعَ ديَتَه لحُذَيفةَ، ولَكِنَّ حُذَيفةَ تَصَدَّقَ بديَتِه على المُسلِمينَ، فزادَه ذلك عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيرًا، يَقولُ إسحاقُ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: وكان الذي قَتَلَ اليَمانَ هو عُتبةُ بنُ مَسعودٍ، وهو أخو عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنِ الصَّحابةِ أجمَعينَ.
وفي الحَديثِ فَضلُ اليَمانِ حُسَيلِ بنِ جابرٍ والِدِ حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه فَضلُ ثابتِ بنِ وَقْشٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه أنَّ قَتيلَ المُسلمينَ في المَعرَكةِ إذا قَتَلَه المُسلِمونَ خَطَأً دِيَتُه على وليِّ الأمرِ.
وفيه عَدَمُ عِتابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الصَّحابةِ الذينَ قَتَلوا والِدَ حُذَيفةَ.
وفيه فَضلُ حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه .
معرفة الصحابة لابن منده (ص338) :
أخبرنا محمد بن عمر بن حفص، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم شاذان، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، ح: وحدثنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة، وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: لا أبا لك ما تنتظر؟ والله، ما نحن إلا هامة اليوم أو غدا، فلو أخذنا أسيافنا فلحقنا برسول الله، فلعل الله أن يرزقنا الشهادة، فأخذا أسيافهما ثم أقبلا حتى دخلا في ناحية الناس، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما أبو حذيفة فالتقت عليه أسياف المسلمين ولم يعرفوه، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم
معرفة الصحابة لأبي نعيم (2/ 888) :
2298 - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا أبو جعفر النفيلي، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ، قال: " لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان: لا أبا لك ما تنظر فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا كظمإ حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غدا أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله أن يرزقنا الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في الناس، ولا يعلم بهما ، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين وهم لا يعرفونه فقتلوه ، فقال حذيفة: أبي.
فقالوا: والله إن عرفناه، وصدقوا.
فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا "
أسد الغابة في معرفة الصحابة (2/ 21) :
(317) أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن السمين، بإسناده إلى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، رفع حسيل بن جابر، وهو اليمان، أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، وهما شيخان كبيران، فقال أحدهما لصاحبه: لا أبا لك، ما تنتظر؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمر إلا مثل ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غدا، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله أن يرزقنا الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذا أسيافهما، ولحقا برسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلا في المسلمين ولا يعلم بهما، فأما ثابت بن وقش، فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين وهم لا يعرفونه، فقتلوه، فقال حذيفة: أبي أبي، فقالوا: والله ما عرفناه، وصدقوا، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا.
أخرجه الثلاثة