انظرْ أرفعَ رجلٍ في المسجدِ قال : فنظرتُ فإذا رجلٌ عليهِ حُلَّةٌ ؛ قلتُ : هذا .
قال : قال لي : انظرْ أوضعَ رجلٍ في المسجدِ قال : فنظرتُ ، فإذا رجلٌ عليهِ أخلاقٌ ؛ قال : قلتُ : هذا .
قال : فقال رسولُ اللهِ لَهَذَا عندَ اللهِ خيرٌ يومَ القيامةِ مِن ملءِ الأرضِ مثلَ هذا
أخرجه أحمد (21395) بلفظه، والحارث بن أبي أسامة كما في ((بغية الباحث)) للهيثمي (1102)، وابن حبان (681) كلاهما باختلاف يسير.
الزُّهدُ في الدُّنيا مِمَّا رَغَّبَت فيه الشَّريعةُ، ومَن أرادَ محبَّةَ اللهِ فليَزهَدْ في الدُّنيا، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ازهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّك اللهُ.
ويَكونُ الزُّهدُ فيها بالتَّقَلُّلِ مِن زَهرَتِها ومَفاتِنِها وشَهَواتِها، وأهلُ الزُّهدِ هم خَيرُ النَّاسِ عِندَ اللهِ تعالى مِن أصحابِ الدُّنيا؛ ولهذا يَقولُ أبو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه وهو مِن زُهَّادِ الصَّحابةِ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: انظُرْ أرفَعَ رَجُلٍ في المَسجِدِ، أي: أغنى، وصاحِبَ مَكانةٍ وجاهٍ عِندَ النَّاسِ.
قال أبو ذَرٍّ: فنَظَرتُ فإذا رَجُلٌ عليه حُلَّةٌ، والحُلَّةُ: الثَّوبُ الذي يَشتَمِلُ على رِداءٍ وإزارٍ.
قُلتُ: هذا، أي: أشارَ للنَّبيِّ بهذا الرَّجُلِ.
ثُمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي ذَرٍّ: انظُرْ أوضَعَ رَجُلٍ في المَسجِدِ، أي: أفقَرَ، وأقَلَّ مَنزِلةً عِندَ النَّاسِ.
قال أبو ذَرٍّ: فنَظَرتُ، فإذا رَجُلٌ عليه أخلاقٌ، أي: ثيابٌ باليةٌ.
وفي رِوايةٍ: رَجُلٌ ضَعيفٌ عليه أخلاقٌ.
قُلتُ: هذا، أي: أشارَ للنَّبيِّ بهذا الرَّجُلِ.
فقال رَسولُ اللهِ: لَهَذا -أي: الذي عليه ثيابٌ باليةٌ- عِندَ اللهِ خَيرٌ يَومَ القيامةِ مِن مِلءِ الأرضِ مِثلَ هذا، أي: مِن صاحِبِ الحُلَّةِ.
وفي الحَديثِ سُؤالُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه حَتَّى يَعرِفَ ما عِندَهم، ليُعَلِّمَهم.
وفيه فَضلُ الزُّهدِ في الدُّنيا والتَّقَلُّلِ مِنها.
وفيه أنَّ المَقاييسَ عِندَ اللهِ تعالى ليست باللِّباسِ .