- كانت بَجيلةُ رُبعَ النَّاسِ يومَ القادسيَّةِ فجعلَ لَهم عمرُ ربُعَ السَّوادِ فأخذوا سنتينِ، أو ثلاثًا فوفدَ عمَّارُ بنُ ياسرٍ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ ومعَهُ جريرُ بنُ عبدِ اللَّهِ فقالَ عمرُ : يا جريرُ لولا أنِّي قاسمٌ مسئولٌ لَكنتُم على ما جُعِلَ لَكم وأرى النَّاسَ قد كثُروا فأرى أن تردَّهُ عليْهِم.
ففعلَ جريرٌ ذلِكَ فقالت أمُّ كرزٍ البجَليَّةُ يا أميرَ المؤمنينَ إنَّ أبي هلَكَ وسَهمُهُ ثابتٌ في السَّوادِ وإنِّي لم أسلِمْ.
فقالَ لَها عمرُ يا أمَّ كرزٍ إنَّ قومَكِ قد صنعوا ما قد علمتِ فقالت إن كانوا صنَعوا ما صنَعوا فإنِّي لست أسلِمُ حتَّى تحملني على ناقةٍ ذلولٍ عليْها قطيفةٌ حمراءُ وتملأُ كفَّيَّ ذَهبًا.
ففعلَ عمرُ ذلِكَ فَكانَت الذَّهبُ نحوَ ثمانينَ دينارًا
أخرجه القاسم بن سلام في ((الأموال)) (154)، وابن زنجويه في ((الأموال)) (234) كلاهما باختلاف يسير.
لمَّا فتَحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ في السَّنةِ الثَّامِنةِ للهجرةِ، ودَخل النَّاسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، أقبَلَت وُفودُ قَبائِلِ العَرَبِ إلى المَدينةِ سَنةَ تِسعٍ مِنَ الهجرةِ، وسُمِّيَ ذلك العامُ بعامِ الوُفودِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَستَقبِلُهم ويُكرِمُهم بالعَطايا ويَدعو لَهم، وكان مِن ضِمنِ تلك القَبائِلِ قَبيلةُ بَجيلةَ، وهم: بَطنٌ عَظيمٌ يَنتَسِبُ إلى أُمِّهم بَجيلةَ، وهم: بَنو أنمارِ بنِ أراشِ بنِ كَهلانَ، مِنَ القَحطانيَّةِ.
ويتفَرَّعون إلى عِدَّةِ بُطونٍ: مِنهم قَسْرٌ، وبَنو أحمَسَ بنِ الغَوثِ بنِ أنمارٍ، وعُرَينةُ.
وقد وفَدوا سَنةَ عَشرٍ مِنَ الهجرةِ.
فأسلَموا وبايَعوا وأكرَمَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد شارَكَت هذه القَبيلةُ في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ بَعدَ مَوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، زَمَنَ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، فقد كانوا رُبعَ النَّاسِ يَومَ القادِسيَّةِ، أي: في مَعرَكةِ القادِسيَّةِ، وكانت سَنةَ أربَعَ عَشرةَ للهِجرةِ بقيادةِ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه ضِدَّ الفُرسِ؛ ولذلك جَعَلَ لَهم عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه مِنَ الغَنيمةِ رُبعَ السَّوادِ.
والسَّوادُ: هيَ أرضٌ زِراعيَّةٌ كَبيرةٌ بالعِراقِ غَنِمَها المُسلمونَ بَعدَ القِتالِ لَمَّا فتَحوا العِراقَ، فمَلَّكهم عُمَرُ رُبعَها.
فجَلَسوا عليها أي: مالكينَ لَها سَنَتَينِ، أو ثَلاثًا.
ثُمَّ وفدَ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه ومَعَه جَريرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو مِن قَبيلةِ بَجيلةَ، إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ في المَدينةِ، فقال عُمَرُ: يا جَريرُ، لَولا أنِّي قاسِمٌ مسؤولٌ لكُنتُم على ما جُعِلَ لَكُم، وأرى النَّاسَ قد كَثُروا، أي: أنا أميرٌ على المُسلمينَ ومِن عَمَلي أن أقسِمَ بَينَ النَّاسِ الأموالَ وأرعى مَصالحَهم، ولَولا ذلك لَكُنتُم على ما قَسَمتُ لَكُم مِن رُبعِ السَّوادِ، ولَكِنَّ النَّاسَ قد كَثُروا، وليس مِنَ المُناسِبِ أن تَأخُذوا رُبعَ السَّوادِ وحدَكُم دونَ النَّاسِ، فأرى أن تَرُدَّ رُبعَ السَّوادِ على النَّاسِ كُلِّهم.
ففعَلَ جَريرٌ رَضِيَ اللهُ عنه ذلك ورَدَّ السَّوادَ.
فقالت أمُّ كُرزٍ البَجَليَّةُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ أبي هَلَكَ، أي: ماتَ، وسَهمُه ثابتٌ في السَّوادِ، وإنِّي لَم أُسَلِّمْ، أي: لَن أرجِعَ نَصيبي مِنها، فقال لَها عُمَرُ: يا أمَّ كُرزٍ، إنَّ قَومَك، أي: قَبيلةَ بَجيلةَ، قد صَنَعوا ما قد عَلِمتِ، أي: أنَّهم أرجَعوا نَصيبَهم وسَلَّموا.
فقالت: إن كانوا صَنَعوا ما صَنَعوا فإنِّي لَستُ أُسَلِّمُ، أي: لَن أرجِعَ نَصيبي حَتَّى تَحمِلَني على ناقةٍ ذَلولٍ، أي: سَهلةِ الانقيادِ، أرجِعُ بها إلى بَلَدي، عليها قَطيفةٌ، أي: دِثارٌ له خَملٌ، حَمراءُ، وتَملَأُ كَفِّي ذَهَبًا، بَدَلَ نَصيبي مِن رُبعِ السَّوادِ، ففعَلَ لَها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنها ذلك، فقُدِّرَ الذَّهَبُ الذي كان لها نَحوَ ثَمانينَ دينارًا.
والمَعنى: أنَّ هذه المَرأةَ امتَنَعَت مِن تَسليمِ حَقِّها إلَّا بشَرطِ أن يُعَوِّضَها عُمَرُ بَدَلَ نَصيبِ والدِها، فعَوَّضَها عُمَرُ بذلك.
وفي رِوايةٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه أعطى جَريرًا أيضًا ثَمانينَ دينارًا.
وفي الحَديثِ فَضلُ قَبيلةِ بَجيلةَ ومُشارَكَتُهم في الجِهادِ.
وفيه أنَّ وَليَّ الأمرِ يَنظُرُ المُصلحةَ فيما يُقَسِّمُه مِن أموالِ الغَنائِمِ.
وفيه أنَّ لوَليِّ الأمرِ أن يَرجِعَ فيما يُعطيه لبَعضِ الغانمينَ.
وفيه أنَّ الأرضَ التي يَفتَتِحُها المُسلمونَ عَنوةً، للإمامِ النَّظَرُ فيها؛ إن رَأى أن يَجعَلَها غَنيمةً فيُخَمِّسُها ويُقَسِّمُها، وإن رَأى أن يَجعَلَها فَيئًا فلا يُخَمِّسُها ولا يُقَسِّمُها، وتَكونُ مَوقوفةً على المُسلِمينَ عامَّةً.
وفيه فِقهُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه وكَرَمُه .
المحلى لابن حزم (7/ 344) كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور نا محمد بن عيسى بن رفاعة نا على بن عبد العزيز نا أبو عبيد نا هشيم نا اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين، أو ثلاثا فوفد عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب ومعه جرير بن عبد الله فقال: عمر يا جرير لولا انى قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأرى ان ترده عليهم ففعل جرير ذلك، فقالت أم كرز البجلية: يا أمير المؤمنين ان أبى هلك وسهمه ثابت في السواد وانى لم أسلم فقال لها عمر: يا أم كرز قومك قد صنعوا ما قد علمت فقالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فانى لست أسلم حتى تحملني ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملا كفى ذهبا ففعل عمر ذلك فكانت الذهب نحو ثمانين دينارا
الأموال للقاسم بن سلام (ص: 78) 154 - حدثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ، قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد، فأخذوه سنتين أو ثلاثا، فوفد عمار بن ياسر إلى عمر، ومعه جرير بن عبد الله، فقال عمر لجرير: يا جرير، لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم، وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم ففعل جرير ذلك، فأجازه عمر بثمانين دينارا
الأموال لابن زنجويه (1/ 197) 234 - قال: قرأت على أبي عبيد القاسم بن سلام - وكل شيء أحدثه في هذا الكتاب عنه فهو قراءة عليه -.
حدثنا حميد قال أبو عبيد: أنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد، فأخذوا سنتين أو ثلاثا، قال: فوفد عمار بن ياسر إلى عمر، ومعه جرير بن عبد الله فقال عمر لجرير: يا جرير لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم، فأرى الناس قد كثروا، فأرى أن ترده عليهم ، ففعل جرير ذلك، فأجازه عمر ثمانين دينارا