عن أبي هريرةَ قالَ: ولقد رأيتُني وإنِّي لأجيرٌ لابنِ عفَّانَ وبنتِ غزوانَ بطعامِ بطني وعُقبَةِ رِجلي أسوقُ بِهِم إذا ارتحَلوا وأخدمُهُم إذا نزلوا فقالَت لي يومًا: لترِدَنَّ حافيًا ولتركبَنَّ قائمًا.
فزوَّجَنيها اللَّهُ تعالى فقلتُ لها: لتردِنَّ حافيةً ولتركبِنَّ قائمةً
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 326) واللفظ له، وعبد الرزاق (14941) باختلاف يسير، وابن ماجة (2445) بنحوه.
جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ، أثنى اللهُ تَعالى عليهم، ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَيَّنَ فضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ؛ وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تَعالى، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّحابيُّ الجَليلُ أبو هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه راويةُ الإسلامِ وحافِظُ حَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فقد كان مِن أكثَرِ النَّاسِ حِفظًا لحَديثِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بسَبَبِ مُلازَمَتِه لمَجالِسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودُعاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له، وقد كان أبو هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه فقيرًا مِن فُقَراءِ الصَّحابةِ، فقد نَشَأ يَتيمًا وهاجَرَ مِسكينًا، وكان يَجوعُ حَتَّى يَقَعَ على الأرضِ مِن شِدَّةِ الجوعِ! ثُمَّ إنَّ اللهَ تعالى أكرَمَه وفتَحَ عليه وأعطاه المالَ والمَنصِبَ، ويَحكي أبو هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه عن حالِه عِندَما كان فقيرًا ثُمَّ صارَ غَنيًّا فيَقولُ: إنَّه كان أجيرًا يَعمَلُ بالأُجرةِ لعُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وأجيرًا أيضًا لبُسرةَ بنتِ غَزوانَ رَضِيَ اللهُ عنها، بطَعامِ بَطني، أي: كانت أُجرَتُه ما يُعطونَه مِنَ الطَّعامِ كَي يُشبِعَ بَطنَه.
وعَقَبةِ رِجلي، العَقَبةُ: النَّوبةُ، أي: للنَّوبةِ مِنَ الرُّكوبِ استِراحةً للرِّجلِ، فكَأنَّه شَرطَ في الأجرِ طَعامَ بَطنِه ورُكوبَ البَعيرِ بالنَّوبةِ، ويُحتَمَلُ: أنَّها نَفقةُ رَحلي.
فقد جاءَ ذلك في بَعضِ الرِّواياتِ، والمَقصودُ: حمولةُ رَحلِه وطَعامُ راحِلَتِه.
وكان عَمَلُه أنَّه كان يَسوقُ بهمُ الإبِلَ إذا ارتَحَلوا، أي: أرادوا السَّيرَ عليها للسَّفَرِ وغَيرِه، وأخدِمُهم إذا نَزَلوا، أي: أقومُ بخِدمَتِهم إذا نَزَلوا للرَّاحةِ.
ثُمَّ إنَّ بُسرةَ بنتَ غَزَوانَ، وكانت قدِ استَأجَرَت أبا هُرَيرةَ في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قالت لأبي هُرَيرةَ يَومًا: لتَرِدَنَّ حافيًا، أي: تَأتي إلَيَّ حافيًا بدونِ نَعلٍ، ولتَركَبَنَّ قائِمًا، أي: تَركَبُ الإبِلَ وأنتَ قائِمٌ! ثُمَّ مَرَّتِ الأيَّامُ، وكانت خِلافةُ مَروانَ بنِ الحَكَمِ، أمَّرَ مَروانُ أبا هُرَيرةَ على المَدينةِ، فيَسَّرَ اللهُ له وتَزَوَّجَ ببُسرةَ بنتِ غَزَوانَ هذه، فقال لَها: لتَرِدِنَّ حافيةً ولتَركَبِنَّ قائِمةً، أي: كما فَعلتِ بي سابقًا! وهذا مِن تَلَطُّفِه ومُزاحِه رَضِيَ اللهُ عنه مَعَ زَوجَتِه؛ فقد جاءَ في رِوايةٍ: وكانت فيه مُزاحةٌ، أي: أبي هُرَيرةَ، وقد جاءَ في رِوايةٍ أنَّ أبا هُرَيرةَ كان يُكثِرُ مِن شُكرِ اللهِ تعالى على ما مَنَّ عليه مِن هذه الحالِ؛ فعن مُضارِبِ بنِ حَزنٍ: كُنتُ أسيرُ مِنَ اللَّيلِ، فإذا رَجُلٌ يُكَبِّرُ فلَحِقتُه، فقُلتُ: ما هذا؟ قال: أُكثِرُ شُكرَ اللهِ عليَّ إنْ كُنتُ أجيرًا لبُسرةَ بنتِ غَزَوانَ لنَفقةِ رَحلي وطَعامِ بَطني، فإذا رَكِبوا سَبَقتُ بهم، وإذا نَزَلوا خَدَمتُهم، فزَوَّجَنيها اللَّهُ، فأنا أركَبُ، وإذا نَزَلتُ خُدِمتُ؛ فالحَمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدِّينَ قِوامًا، وجَعَلَ أبا هُرَيرةَ إمامًا.
وفي الحَديثِ بَيانُ حالِ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه وفَقرهِ.
وفيه فَضلُ اللهِ تعالى على أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ المُجازاةِ بالمِثلِ .
الطبقات الكبرى ط دار صادر (4/ 326) قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة أنه قال: كنت أجير ابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي أسوق بهم إذا ركبوا، وأخدمهم إذا نزلوا، فقالت لي يوما: لتردنه حافيا، ولتركبنه قائما.
فزوجنيها الله بعد , فقلت: لتردنه حافية، ولتركبنه قائمة
مصنف عبد الرزاق الصنعاني (8/ 215) 14941 - عبد الرزاق قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة قال: كنا عنده وعليه ثوبان ممشقان، فتمخط ثم مسح أنفه بثوبه قال: الحمد لله يمتخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة مغشيا علي من الجوع، فيجيء الرجل فيقعد على صدري، فأقول ليس بي ذلك إنما هو من الجوع قال: وقال: " إني كنت أجيرا لابن عفان، وابنة غزوان على عقبة رجلي وشبع بطني - أو قال: بطعام بطني - أخدمهم إذا نزلوا، وأسوق بهم إذا ارتحلوا " قال: " فقالت يوما: لتركبنه قائما، ولتردنه حافيا قال: فزوجنيها الله تعالى، فقلت لتردنه حافية، ولتركبنه وهو قائم " قال: وكانت فيه مزاحة، يعني أبا هريرة
سنن ابن ماجه (2/ 817) 2445 - حدثنا أبو عمر حفص بن عمرو قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبي، يقول: سمعت أبا هريرة ، يقول: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، أحطب لهم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما