- كان من دَلالاتِ حَملِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ كُلَّ دابَّةٍ كانت لقُرَيشٍ نَطَقتْ تلك اللَّيلَةَ، وقالت: حُمِلَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وربِّ الكَعبَةِ، وهو أمانُ الدُّنيا وسِراجُ أهلِها، ولم تَبْقَ كاهِنَةٌ في قُرَيشٍ، ولا في قَبيلَةٍ من قَبائِلِ العَرَبِ إلَّا حُجِبَتْ عن صاحِبَتِها، وانتُزِعَ عِلمُ الكَهَنةِ منها، ولم يَبْقَ سَريرُ مَلِكٍ من مُلوكِ الدُّنيا إلَّا أصبَحَ مَنكوسًا، والمَلِكُ مُخرَسًا لا يَنطِقُ يَومَه ذلك، ومرَّتْ وَحْشُ المَشرِقِ إلى وَحْشِ المَغرِبِ بالبِشاراتِ، وكذلك أهلُ البِحارِ يُبشِّرُ بعضُهم بعضًا، له في كُلِّ شَهرٍ من شُهورِه نِداءٌ في الأرضِ، ونِداءٌ في السَّماءِ أنْ أَبْشِروا، فقد آنَ لأبي القاسِمِ أنْ يَخرُجَ إلى الأرضِ مَيمونًا مُباركًا، قال: وبَقيَ في بَطنِ أُمِّه تِسعةَ أشهُرٍ كُمَّلًا، لا تَشكو وَجَعًا، ولا ريحًا، ولا مَغَصًا، ولا ما يَعرِضُ للنِّساءِ ذواتِ الحَمْلِ، وهَلَكَ أبوه عبدُ اللهِ وهو في بَطنِ أُمِّه ، فقالتِ الملائكةُ: إلَهُنا وسيِّدُنا بَقِيَ نبيُّك هذا يتيمًا، فقال اللهُ: أنا له وليٌّ وحافِظٌ ونَصيرٌ، وتبرَّكوا بمَولِدِه، فمَولِدُه مَيمونٌ مُباركٌ، وفَتَحَ اللهُ لمَولِدِه أبوابَ السَّماءِ وجِنانِه، فكانت آمِنَةُ تُحدِّثُ عن نَفْسِها، وتقول: أتاني آتٍ حين مرَّ بي من حَمْلِه سِتَّةُ أشهُرٍ فوَكَزني برِجْلِه في المنامِ، وقال لي: يا آمِنَةُ، إنَّك قد حَمَلتِ بخَيرِ العالَمين طُرًّا، فإذا وَلَدتيهِ فسَمِّيهِ مُحمَّدًا، فكانت تُحدِّثُ عن نِفاسِها وتقولُ: لقد أخَذَني ما يَأخُذُ النِّساءَ، ولم يَعلَمْ بي أحَدٌ من القَومِ، فسَمِعتُ وَجبَةً شَديدةً وأمْرًا عَظيمًا، فهالَني ذلك، فرَأيتُ كأنَّ جَناحَ طَيرٍ أبيضَ قد مَسَحَ على فُؤادي، فذَهَبَ عنِّي كُلُّ رُعبٍ، وكُلُّ وَجَعٍ كُنتُ أجِدُ، ثم التَفَتُّ فإذا أنا بشَربَةٍ بَيضاءَ لَبَنًا، وكُنتُ عَطْشى فتَناوَلْتُها فشَرِبتُها، فأضاءَ منِّي نورٌ عالٍ، ثم رَأيتُ نِسوَةً كالنَّخلِ الطِّوالِ كأنَّهن من بَناتِ عبدِ مَنافٍ يُحدِقْنَ بي، فبينا أنا أعجَبُ وإذا بدِيباجٍ أبيَضَ قد مُدَّ بين السَّماءِ والأرضِ، وإذا بقائِلٍ يقولُ: خُذوه من أعيُنِ النَّاسِ، قالت: ورَأيتُ رِجالًا قد وَقَفوا في الهَواءِ بأيْديهم أبارِيقُ فِضَّةٍ، ورَأيتُ قِطعَةً من الطَّيرِ قد أقبَلَتْ حتى غطَّتْ حِجْري، مَناقيرُها من الزُّمُرُّدِ وأجْنِحَتُها من اليَواقيتِ، فكَشَفَ اللهُ عن بَصَري، وأبْصَرتُ تلك الساعَةَ مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها، ورَأيتُ ثَلاثةَ أعْلامٍ مَضروباتٍ: عَلَمًا في المَشرِقِ، وعَلَمًا في المَغرِبِ، وعَلَمًا على ظَهرِ الكَعبَةِ، فأخَذَني المَخاضُ، فوَلَدتُ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا خَرَجَ مِن بَطني، نَظَرتُ إليه فإذا أنا به ساجِدًا، قد رَفَعَ إصبَعيهِ كالمُتضرِّعِ المُبتَهِلِ، ثم رَأيتُ سَحابَةً بَيضاءَ قد أقبَلَتْ من السَّماءِ حتى غَشِيَتْه، فغُيِّبَ عن وَجْهي وسَمِعتُ مُناديًا يُنادي: طوفوا بمُحمَّدٍ شَرقَ الأرضِ وغَرْبَها، وأدْخِلوه البِحارَ لِيَعرِفوه باسْمِه ونَعْتِه وصورَتِه، ويَعلَمون أنَّه سُمِّيَ فيها الماحي، لا يَبقى شَيءٌ من الشِّركِ إلَّا مُحِيَ في زَمَنِه، ثم تجَلَّتْ عنه في أسرع وَقتٌ، فإذا أنا به مُدرَجٌ في ثَوبِ صوفٍ أبيضَ، وتحته حَريرةٌ خَضراءُ، وقد قَبَضَ على ثلاثةِ مَفاتيحَ من اللُّؤلُؤِ الرَّطِبِ، وإذا قائلٌ يقولُ: قَبَضَ مُحمَّدٌ على مَفاتيحِ النُّصرَةِ، ومَفاتيحِ الرِّيحِ، ومَفاتيحِ النُّبوَّةِ، ثم أقبَلَتْ سَحابَةٌ أخرى يُسمَعُ منها صَهيلُ الخَيلِ، وخَفَقانُ الأجنِحَةِ حتى غَشِيَتْه؛ فغُيِّبَ عن عَيْني، فسَمِعتُ مُناديًا يُنادي: طوفوا بمُحمَّدٍ الشَّرقَ والغَربَ، وعلى مَواليدِ النَّبيِّينَ، واعْرِضوه على كُلِّ رُوحانيٍّ من الجِنِّ والإنسِ والطَّيرِ والسِّباعِ، وأعْطوه صَفاءَ آدَمَ، ورِقَّةَ نوحٍ، وخُلَّةَ إبراهيمَ، ولِسانَ إسماعيلَ، وبُشرى يَعقوبَ، وجَمالَ يوسُفَ، وصَوتَ داودَ، وصَبرَ أيُّوبَ، وزُهدَ يَحيى، وكَرَمَ عيسى، واعْمُروه في أخلاقِ الأنبياءِ، ثم تجَلَّتْ عنه، فإذا أنا به قد قَبَضَ على حرَيرةٍ خَضْراءَ مَطويَّةٍ، وإذا قائِلٌ يقولُ: بَخٍ بَخٍ ، قَبَضَ مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الدُّنيا كُلِّها، لم يَبْقَ خَلْقٌ من أهلِها إلَّا دَخَلَ في قَبضَتِه، وإذا أنا بثَلاثَةِ نَفَرٍ في يَدِ أحدِهم إبريقٌ من فِضَّةٍ، وفي يَدِ الثاني طَسْتٌ من زُمُرُّدٍ أخضَرَ، وفي يَدِ الثَّالثِ حَريرةٌ بَيضاءُ، فنَشَرَها، فأخرَجَ منها خاتَمًا تَحارُ أبصارُ النَّاظرِينَ دونَه، فغَسَلَه من ذلك الإبريقِ سَبعَ مرَّاتٍ ثم خُتِمَ بين كَتِفَيهِ بالخاتَمِ، ولَفَّه في الحَريرةِ ثم حَمَلَه، فأدخَلَه بين أجنِحَتِه ساعَةً ثم رَدَّه إليَّ.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - بدء النبوة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - فضل النبي على جميع الخلائق# إيمان - الملائكة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - مبعث النبي# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أول أمره وإرضاعه
المصدر: الخصائص الكبرى
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: السيوطي
الحكم:[فيه نكارة شديدة]

بيانات التخريج:

أخرجه أبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (555) بنحوه

الشرح والتوضيح

بَعثَ اللهُ تَعالى الأنبياءَ والرُّسُلَ لدَعوةِ النَّاسِ لتَوحيدِ اللهِ تَعالى وتَرْكِ عِبادةِ الأصنامِ والأوثانِ، فقال تَعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، فبَلَّغَ رُسُلُ اللهِ تَعالى ما أُمِرُوا به، وكان أعظَمَهم بَلاغًا ونُصحًا لأُمَّتِه نَبيُّنا مُحَمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد خَصَّ اللهُ تعالى نَبيَّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخَصائِصَ لَيسَت لغَيرِه مِنَ الأنبياءِ، وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما بَعضَ ما كان للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عَلاماتٍ ودَلالاتٍ تَدُلُّ على نُبوَّتِه، فيَقولُ: كان مِن دَلالاتِ حَملِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم -أي: لمَّا حَمَلَت أمُّ الرَّسولِ به- أنَّ كُلَّ دابَّةٍ كانت لقُرَيشٍ نَطَقَت تلك اللَّيلةَ، وقالت: حُمِلَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَبِّ الكَعبةِ، وهو أمانُ الدُّنيا وسِراجُ أهلِها، ولَم تَبقَ كاهِنةٌ في قُرَيشٍ ولا في قَبيلةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ إلَّا حُجِبَت، أي: مُنِعَت عن صاحِبَتِها، أي: الجِنِّيَّةِ التي تَأتي للكاهنةِ بالأخبارِ، وانتُزِعَ عِلمُ الكَهَنةِ مِنها، ولَم يبقَ سَريرُ مَلِكٍ مِن مُلوكِ الدُّنيا إلَّا أصبَحَ مَنكوسًا، أي: مَقلوبًا، والمَلِكُ مُخَرَّسًا، أي: أخرَسَ لا يَنطِقُ يَومَه ذلك، ومَرَّت وَحشُ المَشرِقِ، أي: الحَيَواناتُ المُتَوحِّشةُ، إلى وَحشِ المَغرِبِ بالبِشاراتِ، وكَذلك أهلُ البحارِ يُبَشِّرُ بَعضُهم بَعضًا بقُربِ ميلادِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.

له في كُلِّ شَهرٍ مِن شُهورِه، أي: وهو في بَطنِ أُمِّه، نِداءٌ في الأرضِ ونِداءٌ في السَّماءِ: أن أبشِروا؛ فقد آنَ لأبي القاسِمِ، وهيَ كُنيَتُه صلَّى الله عليه وسلَّم، أن يَخرُجَ إلى الأرضِ مَيمونًا مُبارَكًا.

وبَقيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَطنِ أُمِّه تِسعةَ أشهُرٍ كَملًا، أي: كامِلةً، لا تَشكو وجَعًا، ولا ريحًا، ولا مَغصًا، ولا ما يَعرِضُ للنِّساءِ ذَواتِ الحَملِ، وهَلَكَ، أي: ماتَ، أبوه عَبدُ اللهِ، وهو في بَطنِ أُمِّه، فقالتِ المَلائِكةُ: إلَهَنا وسَيِّدَنا بَقيَ نَبيُّك هذا يَتيمًا، فقال اللهُ: أنا له وليٌّ وحافِظٌ ونُصَيرٌ، وتَبَرَّكوا بمَولدِه، فمَولِدُه مَيمونٌ مُبارَكٌ، وفتَحَ اللهُ لمَولِدِه أبوابَ السَّماءِ وجِنانَه، فكانت أُمُّه آمِنةُ تُحَدِّثُ عن نَفسِها، وتَقولُ: أتاني آتٍ حينَ مَرَّ بي مِن حَملِه سِتَّةُ أشهرٍ فوكَزَني، أي: ضَرَبَها برِجلِه في المَنامِ، وقال لي: يا آمِنةُ، إنَّك قد حَمَلتِ بخَيرِ العالَمينَ طُرًّا، أي: جَميعًا، فإذا ولَدْتيه فسَمِّيه مُحَمَّدًا، فكانت تُحَدِّثُ عن نِفاسِها، أي: أثناءَ وِلادَتِها، وتَقولُ: لَقد أخَذَني ما يَأخُذُ النِّساءَ، أي: ما يَعرِضُ للنِّساءِ أثناءَ الوِلادةِ مِنَ الوجَعِ، ولَم يَعلَمْ بي أحَدٌ مِنَ القَومِ، فسَمِعتُ وجبةً، أي: سَقطةً شَديدةً، وأمرًا عَظيمًا، فهالَني ذلك، أي: أفزَعني، فرَأيتُ كَأنَّ جَناحَ طَيرٍ أبيَضَ قد مَسَحَ على فُؤادي، أي: قَلبي، فذَهَبَ عني كُلُّ رُعبٍ، وكُلُّ وجَعٍ كُنتُ أجِدُ، ثُمَّ التَفَتُّ فإذا أنا بشَربةٍ بَيضاءَ لَبَنًا، وكُنتُ عَطشى فتَناولتُها فشَرِبتُها، فأضاءَ مِنِّي نورٌ عالٍ، ثُمَّ رَأيتُ نِسوةً كالنَّخلِ الطِّوالِ، كَأنَّهنَّ مِن بَناتِ عَبدِ مَنافٍ يُحَدِّقنَ بي، أي: يَنظُرنَ إلَيَّ، والتَّحديقُ: شِدَّةُ النَّظَرِ، فبَينا أنا أعجَبُ وإذا بديباجٍ -وهو نَوعٌ مِنَ الثِّيابِ يَشتَمِلُ على الحَريرِ- أبيَضَ قد مُدَّ بَينَ السَّماءِ والأرضِ، وإذا بقائِلٍ يَقولُ: خُذوه مِن أعيُنِ النَّاسِ، قالت: ورَأيتُ رِجالًا قد وقَفوا في الهَواءِ بأيديهم أباريقُ فِضَّةٍ، ورَأيتُ قِطعةً مِنَ الطَّيرِ قد أقبَلَت حَتَّى غَطَّت حِجري، أي: حِضني، مناقيرُها مِنَ الزُّمُرُّدِ، وهو حَجَرٌ كَريمٌ أخضَرُ اللَّونِ شَديدُ الخُضرةِ شَفَّافٌ، وأجنِحَتُها مِنَ اليَواقيتِ، والياقوتُ هو حَجَرٌ مِنَ الأحجارِ الكَريمةِ مِن أكثَرِ المَعادِنِ صَلابةً بَعدَ الماسِ، ولَونُه في الغالِبِ شَفَّافٌ مُشرَبٌ بالحُمرةِ أوِ الزُّرقةِ أوِ الصُّفرةِ، فكَشَف اللهُ عن بَصَري، أي: مَكَّنَها اللهُ تعالى أن تَرى ببَصَرِها خِلافَ العادةِ، وأبصَرَت تلك السَّاعةَ مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها، ورَأيتُ ثَلاثةَ أعلامٍ مَضروباتٍ، أي: مَنصوباتٍ؛ عَلَمًا في المَشرِقِ، وعَلَمًا في المَغرِبِ، وعَلَمًا على ظَهرِ الكَعبةِ.

وكُلُّ هذا دَلالةٌ على أنَّ فُتوحاتِ المُسلمينَ سَتَشمَلُ كُلَّ تلك الأماكِنِ، فأخَذَني المَخاضُ، أي: وجَعُ الوِلادة، وهو الطَّلقُ، فولَدتُ مُحَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، فلَمَّا خَرَجَ مِن بَطني نَظَرَت إلَيه فإذا أنا به ساجِدًا، قد رَفعَ إصبَعَيه كالمُتَضَرِّعِ المُبتَهِلِ، أي: المُجتَهِدِ في الدُّعاءِ، ثُمَّ رَأيتُ سَحابةً بَيضاءَ قد أقبَلَت مِنَ السَّماءِ حَتَّى غَشيَته، أي: غَطَّته، فغُيِّبَ عن وجهي وسَمِعتُ مُناديًا يُنادي: طوفوا بمُحَمَّدٍ شَرقَ الأرضِ وغَربَها، وأدخِلوه البِحارَ ليَعرِفوه باسمِه ونَعتِه وصُورتِه، ويَعلَمونَ أنَّه سُمِّيَ فيها الماحيَ، لا يَبقى شَيءٌ مِنَ الشِّركِ إلَّا مُحيَ في زَمَنِه، ثُمَّ تَجَلَّت عنه في أسرَعِ وقتٍ، فإذا أنا به مُدرجٌ، أي: داخِلٌ في ثَوبِ صوفٍ أبيَضَ، وتَحتَه حَريرةٌ خَضراءُ، وقد قَبَضَ على ثَلاثةِ مَفاتيحَ مِنَ اللُّؤلُؤِ الرَّطبِ، وإذا قائِلٌ يَقولُ: قَبَضَ مُحَمَّدٌ على مَفاتيحِ النُّصرةِ، ومَفاتيحِ الرِّيحِ، ومَفاتيحِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أقبَلَت سَحابةٌ أُخرى يُسمَعُ مِنها صَهيلُ الخَيلِ، وخَفَقانُ الأجنِحةِ حَتَّى غَشيَتْه، أي: غَطَّته، فغُيِّبَ عن عَيني، فسَمِعتُ مُناديًا يُنادي: طوفوا بمُحَمَّدٍ الشَّرقَ والغَربَ، وعَلى مَواليدِ النَّبيِّينَ، واعرِضوه على كُلِّ رُوحانيٍّ مِنَ الجِنِّ والإنسِ والطَّيرِ والسِّباعِ، وأعطُوه صَفاءَ آدَمَ، ورَقَّةَ نوحٍ، وخُلَّةَ إبراهيمَ، ولسانَ إسماعيلَ، وبُشرى يَعقوبَ، وجَمالَ يوسُفَ، وصَوتَ داوُدَ، وصَبرَ أيُّوبَ، وزُهدَ يَحيى، وكَرَم عيسى، واعمُروه في أخلاقِ الأنبياءِ، ثُمَّ تَجَلَّت عنه، أي: ابتَعَدَت عنه تلك الأجنِحةُ، فإذا أنا به قد قَبَضَ على حَريرةٍ خَضراءَ مَطويَّةٍ، وإذا قائِلٌ يَقولُ: بَخْ بَخْ! وهيَ كَلمةٌ تُقالُ عِندَ المَدحِ والرِّضا بالشَّيءِ، قَبض مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الدُّنيا كُلِّها، لَم يَبقَ خَلقٌ مِن أهلِها إلَّا دَخَل في قَبضَتِه، وإذا أنا بثَلاثةِ نَفرٍ في يَدِ أحَدِهم إبريقٌ مِن فِضَّةٍ، وفي يَدِ الثَّاني طَستٌ مِن زُمُرُّدٍ أخضَرَ، وفي يَدِ الثَّالثِ حَريرةٌ بَيضاءُ، فنَشَرَها، فأخرَجَ مِنها خاتَمًا تَحارُ أبصارُ النَّاظِرينَ دونَه، فغَسَلَه مِن ذلك الإبريقِ سَبعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ خَتَمَ بَينَ كَتِفَيه بالخاتَمِ، ولَفَّه في الحَريرةِ ثُمَّ حَمَلَه، فأدخَلَه بَينَ أجنِحَتِه ساعةً ثُمَّ رَدَّه إلَيَّ.

وفي الحَديثِ بَيانُ ما وقَعَ لأُمِّ النَّبيِّ مِن أحوالٍ أثناءَ حَملِها ووِلادَتِها بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ فَضلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على العالَمينَ .

الأصول والأحكام

دلائل النبوة - أبو نعيم الأصبهاني (ص610) :

‌555 - حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عمرو بن محمد بن الصباح قال: ثنا يحيى بن عبد الله ثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن عمرو الأنصاري، عن أبيه قال ابن عباس : فكان من دلالات حمل النبي صلى الله عليه وسلم أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة وهو أمان الدنيا وسراج أهلها ولم يبق كاهنة من قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها ، وانتزع علم الكهنة ولم يكن سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا والملك مخرسا لا ينطق يومه ذلك ومرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات ، وكذلك البحار يبشر بعضهم بعضا به في كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السماء: أن أبشروا؛ فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا فكانت أمه تحدث عن نفسها وتقول: أتاني آت حين مر بي من حمله ستة أشهر فوكزني برجله في المنام وقال: يا آمنة إنك قد حملت بخير العالمين طرا فإذا ولدتيه فسميه محمدا واكتمي شأنك.

قال: فكانت تقول: لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ذكر ولا أنثى وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه قالت: فسمعت وجبة شديدة وأمرا عظيما فهالني ذلك وذلك يوم الاثنين فرأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني كل رعب وكل فزع ووجع كنت أجده ، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء وظننتها لبنا ، وكنت عطشى ، فتناولتها فشربتها فأضاء مني نور عال ، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال كأنهن بنات عبد المطلب يحدقن بي فبينا أنا أعجب وأقول: واغوثاه من أين علمن بي هؤلاء واشتد بي الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول فإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض وإذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس قالت: ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان أطيب ريحا من المسك الأذفر وأنا أقول: يا ليت عبد المطلب قد دخل علي وعبد المطلب عني ناء قالت: فرأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من اليواقيت فكشف لي عن بصري فأبصرت ساعتي مشارق الأرض ومغاربها ، ورأيت ثلاث أعلام مضروبات: علم في المشرق ، وعلم في المغرب ، وعلم على ظهر الكعبة وأخذني المخاض واشتد بي الأمر جدا فكنت كأني مستندة إلى أركان النساء ، وكثرن علي حتى كأن الأيدي معي في البيت وأنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا صلى الله عليه وسلم، فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فإذا أنا به ساجد قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته فغيب عن وجهي، فسمعت مناديا يقول: طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شرق الأرض وغربها وأدخلوه البحار كلها؛ ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ويعلموا أنه سمي فيها الماحي؛ لا يبقى شيء من الشرك إلا محي به في زمنه ثم تجلت عنه في أسرع وقت فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض أشد بياضا من اللبن وتحته حريرة خضراء قد قبض على ثلاث مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض وإذا قائل يقول: قبض محمد على مفاتيح النصر ومفاتيح الريح ومفاتيح النبوة ولمولده صلى الله عليه وسلم وقع الآيات العجيبة مما روي مما تقدم ذكره في موضعه منها ما قاله اليهودي الذي قدم مكة تاجرا في الليلة التي ولد فيها: إنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة به شامة بين كتفيه فيها شعرات متواليات لا يرضع ليلتين.

فعجب القوم من حديثه فقاموا حتى دخلوا على آمنة فقالوا: أخرجي ابنك فنظر إليه وإلى الشامة بين كتفيه فخر اليهودي مغشيا عليه فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ قال: ذهبت والله نبوة بني إسرائيل وخرج الكتاب من أيديهم وهذا المولود يقتلهم ويبين أخبارهم وليسطون بكم يا معشر العرب وحجب الشيطان في تلك الليلة من استراق السمع ورموا بالشهب ونطقت الكهان والسحرة مثل شق وسطيح وعظماء الملوك بما رأت في تلك الليلة ككسرى وارتجاس إيوانه وخمود النيران وغيض الماء وفيض الأودية ورؤيا المؤبذان كما تقدم ذكره بأسانيد في باب مولده صلى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى: ورحمة منا فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصفه الله تعالى بأعم الرحمة وأكملها فقال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [[الأنبياء: 107]] فمن صدقه وآمن به؛ فإنه يرحمه الله تعالى في الدارين ومن لم يصدقه أمن في حياته مما عوقب به المكذبون من الأمم: الخسف والمسخ والقذف وقد تقدم بيان هذا.

فإن قلت: إن عيسى كان يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله تعالى.

قلنا: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نظيره فإن عكاشة بن محصن انقطع سيفه يوم بدر فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جذلا من حطب وقال: قاتل بهذا فعاد في يده سيفا شديد المتن أبيض الحديد طويل القامة فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين ثم لم يزل يشهد به المشاهد إلى أيام الردة فالمعنى الذي به أمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصير الخشبة حديدا ويبقى على الأيام هو المعنى الذي خلق به عيسى من الطين كهيئة الطير ، ثم استماع التسبيح والتقديس والتهليل من الحجر الصم في يده ، وشهادة الأحجار والأشجار له بالنبوة ، وأمره للأشجار بالاجتماع ، والالتزاق ، والافتراق ، كل ذلك جانس إحياء الموتى وطيران المصور من الطير كهيئة الطير.

فإن قال: إن عيسى كان يبرئ العميان ، والأكمه ، والأبرص ، بإذن الله.

قلنا: إن قتادة بن النعمان ندرت حدقته يوم أحد من طعنة أصيب في عينه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها فكان لا يدري أي عينيه أصيب ، وكان أحسن عينيه وأحدهما وقد تقدم ذكره بإسناده.

أحاديث ذات صلة