- عن المقدام بن معدي كرب الكندي أنَّهُ جلس مع عبادةَ بنِ الصامتِ، وأبي الدرداءِ، والحارثِ بنِ معاويةَ الكنديِّ رضيَ اللهُ عنهم، فتذاكروا حديثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقال أبو الدرداءِ لعبادةَ : يا عبادةُ، كلماتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في غزوةِ كذا وكذا في شأنِ الأخماسِ ؟ فقال عبادةُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم صلَّى بهم في غزوةٍ إلى بعيرٍ من المغنمِ، فلما سلَّمَ قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فتناول وَبَرةً بين أنملتَيْهِ فقال : إنَّ هذه من غنائِمِكُم، وإنَّهُ ليس لي فيها إلا نصيبي معَكُم إلا الخُمْسُ، والخُمْسُ مردودٌ عليكم، فأدُّوا الخيطَ والمخِيطَ، وأكبرُ من ذلك وأصغرُ، ولا تَغْلُوا فإنَّ الغُلولَ نارٌ وعارٌ على أصحابِه في الدنيا والآخرةِ، وجاهدوا الناسَ في اللهِ القريبَ والبعيدَ، ولا تُبَالُوا في اللهِ لومةَ لائمٍ، وأقيموا حدودَ اللهِ في الحضرِ والسفرِ، وجاهدوا في سبيلِ اللهِ، فإنَّ الجهادَ بابٌ من أبوابِ الجنةِ عظيمٌ، يُنجِّي به اللهُ من الهمِّ والغمِّ

الدلالات الموضوعية:# حدود - الحث على إقامة الحدود# غنائم - فرض الخمس# مظالم - شؤم المعصية وبركة الطاعة# جهاد - الترغيب في الجهاد# غنائم - الغلول وما جاء فيه من العقوبة والوعيد
المصدر: تفسير القرآن العظيم
الراوي: عبادة بن الصامت
المحدث: ابن كثير
الحكم:حسن عظيم

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (22699) بلفظه، والبيهقي (18269)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (1502)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (1866) جميعا بنحوه.

الشرح والتوضيح

كان عِندَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم حِرصٌ على مَجالِسِ العِلمِ والحَديثِ، فكانوا يَجلِسونَ فيما بَينَهم ويَتَذاكَرونَ العِلمَ وأحاديثَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيُذَكِّرُ بَعضُهم بَعضًا تلك الأحاديثَ التي أخبَرَ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سَواءٌ كانت في المَدينةِ أو كانت في أسفارِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَستَغِلُّ اجتِماعَ الصَّحابةِ فيُحَدِّثُهم بما يَقتَضيه الحالُ، وكان إذا غَزا خَطَبَهم ووعَظَهم وذَكَّرَهم بما يَتَعَلَّقُ بأمرِ الجِهادِ والغَزوِ؛ ففي هذا الحَديثِ يَقولُ المِقدامُ بنُ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّه جَلَسَ مَعَ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، وأبي الدَّرداءِ، والحارِثِ بنِ مُعاويةَ الكِنديِّ رَضِيَ اللهُ عنهم، فتَذاكَروا حَديثَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال أبو الدَّرداءِ لعُبادةَ: يا عُبادةُ، كَلِماتُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ كَذا وكَذا في شَأنِ الأخماسِ؟ أي: ماذا قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في تلك الغَزوةِ فيما يَتَعَلَّقُ بكَيفيَّةِ قِسمةِ الخُمُسِ مِنَ الغَنيمةِ؟ والغَنيمةُ هيَ ما يَأخُذُه المُقاتِلونَ مِن أموالِ أهلِ الحَربِ، فيَخرُجُ مِنها الخُمُسُ، ثُمَّ تُوزَّعُ البَقيَّةُ على المُقاتِلينَ.

فقال عُبادةُ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَلَّى بهم في غَزوةٍ إلى بَعيرٍ مِنَ المَغنَمِ، أي: جَعَلَ البَعيرَ سُترةً له في الصَّلاةِ، فلمَّا سَلَّمَ قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتَناولَ وَبرةً.

وهيَ شَعرةُ البَعيرِ، بَين أنمُلَتَيه، أي: إصبَعَيه، فقال: إنَّ هذه، أي: الوَبرةَ مِن غَنائِمِكُم، وإنَّه ليس لي فيها إلَّا نَصيبي مَعَكُم إلَّا الخُمُسَ، أي: ليس لي مِنَ الغَنيمةِ إلَّا نَصيبي مَعَكُم، وهو الخُمُسُ، كما في قَولِه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] ، والخُمُسُ مَردودٌ عليكُم، أي: يَكونُ في مَصالحِ المُسلمينَ وحاجاتِهم مِنَ السِّلاحِ وغَيرِه.

ثُمَّ حَثَّهم على أن يُؤَدُّوا جَميعَ ما يَأخُذونَه مَهما كان، وحَذَّرهم مِنَ الغُلولِ، فقال: فأدُّوا الخَيطَ والمِخْيَطَ، أي: الإبرةَ، وأكبَرَ مِن ذلك وأصغَرَ، ولا تَغُلُّوا.

والغُلولُ: هو الأخذُ مِنَ الغَنيمةِ قَبلَ تَقسيمِها، فإنَّ الغُلولَ نارٌ وعارٌ على أصحابِه في الدُّنيا والآخِرةِ.

ثُمَّ حَثَّهم على الجِهادِ، فقال: وجاهِدوا النَّاسَ في اللهِ القَريبَ والبَعيدَ، أي: سَواءٌ كانت تَربُطُكُم بهم قَرابةٌ أم لا، ولا تُبالوا في اللهِ لَومةَ لائِمٍ، أي: لا يَمنَعْكُم مِن جِهادِ القَريبِ والبَعيدِ أن يُعاتِبَكُم أحَدٌ ويَلومَكُم.

ثُمَّ قال لَهم صلَّى الله عليه وسلَّم: وأقيموا حُدودَ اللهِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، أي: طَبِّقوا الحُدودَ في أيِّ مَكانٍ، وجاهِدوا في سَبيلِ اللهِ؛ فإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبوابِ الجَنَّةِ عَظيمٌ، يُنجي به اللهُ مِنَ الهَمِّ: وهو الفِكرُ في الشَّيءِ قَبلَ وُقوعِه، والغَمِّ: وهو الفِكرُ في الشَّيءِ بَعدَ وُقوعِه.

وفي الحَديثِ فَضلُ هؤلاء الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وفيه أهَمِّيَّةُ مَجالسِ العِلمِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الصَّلاةِ إلى سُترةٍ.

وفيه مَشروعيَّةُ الصَّلاةِ إلى البَعيرِ.

وفيه أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُذَكِّرُ أصحابَه في الغَزوِ ويُعَلِّمُهم.

وفيه التَّعليمُ بالفِعلِ والأشياءِ المَحسوسةِ.

وفيه أنَّ نَصيبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الخُمُسِ مَردودٌ في مَصالحِ المُسلمينَ.

وفيه التَّحذيرُ مِنَ الأخذِ مِنَ الغَنيمةِ قَبلَ قِسمَتِها ولَو كان شَيئًا يَسيرًا.

وفيه الأمرُ بجِهادِ القَريبِ والبَعيدِ.

وفيه الأمرُ بإقامةِ الحُدودِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ.

وفيه فضلُ الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تعالى.

وفيه أنَّ الجِهادَ مِن أسبابِ زَوالِ الهَمِّ والغَمِّ .

الأصول والأحكام

تفسير ابن كثير - ت السلامة (4/ 61) :

حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن ‌المقدام بن معد يكرب الكندي : أنه ‌جلس ‌مع ‌عبادة ‌بن ‌الصامت، ‌وأبي ‌الدرداء، ‌والحارث ‌بن ‌معاوية ‌الكندي، رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: "إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في [سبيل] الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة [عظيم] ينجي به الله من الهم والغم" هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.

ولكن روى الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول.

[مسند أحمد] (37/ 371 ط الرسالة) :

22699 - حدثنا أبو اليمان وإسحاق بن عيسى، قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام - قال إسحاق: الأعرج - عن المقدام بن معدي كرب الكندي : أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة - قال إسحاق في حديثه -: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلم، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: " إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم "

السنن الكبير للبيهقي (18/ 343 ت التركي) :

18269 - رواه أبو بكر ابن أبى مريم، عن أبى سلام، عن المقدام بن معد يكرب ، أنه جلس مع عبادة وأبى الدرداء والحارث بن معاوية الكندى، فتذاكروا الحديث عن رسول الله -صلى الله عليهم وسلم- في الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير.

فذكره بنحوه، وقال فيه: "وأقيموا حدود الله في السفر والحضر".

أخبرناه أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو عمرو ابن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عائذ، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا أبو بكر ابن أبى مريم.

فذكره.

مسند الشاميين للطبراني (2/ 363) :

1502 - حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي ، ثنا محمد بن عائذ، ثنا إسماعيل بن عياش، حدثني أبو بكر بن أبي مريم، عن أبي سلام، عن المقدام بن معدي كرب ، أنه جلس إلى عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي ، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخماس ، فقال عبادة بن الصامت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم ، فلما سلم تناول وبرة بين أنملتيه ، فأقبل علينا فقال: إن هذه من غنائمكم ، وإنه ليس لي ولا يصيبني معكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، وأدوا الخيط والمخيط ، وأكثر من ذلك وأصغر ، ولا تغلوا ، فإن الغلول عار وشنار على صاحبه في الدنيا والآخرة ، وجاهدوا الناس في الله عز وجل ، القريب منهم والبعيد ، ولا تبالوا في الله لومة لائم ، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر ، وجاهدوا في سبيل الله ، فإن الجهاد في الله باب من أبواب الجنة عظيم ، وإنه ينجي الله ‌به ‌من ‌الهم ‌والغم

الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (3/ 432) :

1866 - حدثنا الحوطي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أبي سلام، عن المقدام بن معدي كرب أنه قال: جلس عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحارث بن معاوية فذكروا حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقال عبادة رضي الله عنه: صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المقسم فلما سلم تناول وبرة بين أنملتيه ثم أقبل علينا فقال : إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم، فأدوا الخيط والمخيط وأقل من تلك وأكثر ولا تغلوا؛ فإن الغلول عار ونار على أهله في الدنيا والآخرة وجاهدوا في سبيل الله القريب منهم والبعيد؛ فإن الجهاد في سبيل الله تعالى باب من أبواب الجنة ينجي الله تعالى ‌به ‌من ‌الهم ‌والغم.

أحاديث ذات صلة