سمِعتُ عمرَ رضِي اللهُ عنه يقولُ يومَ الجابيةِ وهو يخطبُ : إنَّ اللهَ جعلني خازنَ هذا المالِ وقاسمَه ثمَّ قال : بل اللهُ قسَمه ، وأنا بادئٌ بأهلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ أشرفِهم ، فقسَمَ لأزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عشرةَ آلافٍ إلَّا جويريةَ وصفيَّةَ وميمونةَ وماريةَ ، فقالت عائشةُ : إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يعدل بيننا فعدل عمرُ بينهنَّ ، ثمَّ فرض لأصحابِ بدرٍ المهاجرين خمسةَ آلافٍ ، ولمن شهِدها من غيرِ المهاجرين أربعةَ آلافٍ ، ولمن شهِد أُحُدًا ثلاثةَ آلافٍ ، وقال : من أبطأ في الهجرةِ أبطأ عنه العطاءُ فلا يلومنَّ رجلٌ إلَّا مُناخَ راحلتِه ، وإنِّي أعتذِرُ إليكم من خالدِ بنِ الوليدِ إنِّي أمرتُه أن يحبِسَ هذا المالَ على ضعَفةِ المهاجرين فأعطاه ذا الشَّرَفِ وذا اللِّسانِ فنزعتُه وأمَّرتُ أبا عبيدةَ

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - فضل نسب النبي# غنائم - التفضيل على السابقة والنسب# مناقب وفضائل - فضائل المهاجرين ومناقبهم# مناقب وفضائل - فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم# إمامة وخلافة - قسمة الأموال وتدوين العطاء
المصدر: مسند الفاروق
الراوي: ناشرة بن سمي اليزني
المحدث: ابن كثير
الحكم:إسناده جيد

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (15905)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8225) اللفظ له، وابن عساكر (16/ 263) مختصرا.

الشرح والتوضيح

تولِّي أمرِ المُسلمينَ والقيامُ عليهم مَنزِلةٌ كَبيرةٌ يَتَرَتَّبُ عليها واجِباتٌ على الوالي تِجاهَ رَعيَّتِه؛ فالوالي مسؤولٌ عن رَعيَّتِه، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّتِه، فعليه أن يَنصَحَ لهم ويُذَكِّرَهم ويَأمُرَهم بالخَيرِ ويَنهاهم عنِ الشَّرِّ، ويُعَلِّمَهم أمرَ دينِهم، ويُقَسِّمَ بَينَهم أموالَ الغَنائِمِ والجِزيةِ وغَيرِها حَسَبَ مَنزِلَتِهم وسابقَتِهم في الدِّينِ؛ ولهذا كان أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه يَقومُ بهذا الواجِبِ أتَمَّ القيامَ، ومِن ذلك أنَّه رَضيَ اللهُ عنه خَطَب في النَّاسِ يومًا بالجابيةِ وهيَ مَوضِعٌ بدِمَشقَ، وتُعرَفُ الآنَ بتَلِّ الجابيةِ، قَريبةٌ مِنَ الجَولانِ، وكان مِمَّا قال لَهم: إنَّ اللَّهَ جَعَلَني خازِنَ هذا المالِ وقاسِمَه.

ويَقصِدُ به مالَ الجِزيةِ، ثُمَّ قال: بَل اللَّهُ قَسَمَه، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى هو الذي بَيَّنَ كَيفيَّةَ قِسمةِ هذا المالِ، وأنا بادِئٌ، أي: سَأبدَأُ في قِسمةِ هذا المالِ، بأهلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ أشرَفِهم، فقَسَّمَ لأزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَشَرةَ آلافٍ، إلَّا جُوَيريَّةَ بنتِ الحارِثِ، وصَفيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ، ومَيمونةَ بنتَ الحارِثِ وماريَّةَ القِبطيَّةِ، أي: أنَّه أعطاهنَّ أقَلَّ مِن عَشَرةِ آلافٍ، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ ذلك بسَبَبِ أنَّهنَّ لم يَكُنَّ مِنَ المُهاجِراتِ، فقالت عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَعدِلُ بَينَنا، فعِندَ ذلك عَدل عُمَرُ بَينَهنَّ، ثُمَّ فرَضَ لأصحابِ بَدرٍ المُهاجِرينَ خَمسةَ آلافٍ، ولمَن شَهدَ غَزوةَ بَدرٍ مِن غَيرِ المُهاجِرينَ أربَعةَ آلافٍ، ولمَن شَهدَ غَزوةَ أُحُدٍ ثَلاثةَ آلافٍ، وقال: مَن أبطَأ في الهجرةِ، أي: مَن تَأخَّرَ في الهجرةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، أبطَأ عنه العَطاءُ، أي: تَأخَّرَ عنه العَطاءُ، فكُلٌّ حَسَبَ سابقَتِه في الإسلامِ وهِجرَتِه، وفي رِوايةٍ: ومَن أسرَعَ في الهجرةِ أسرَعَ به العَطاءُ.

فلا يَلومَنَّ رَجُلٌ إلَّا مُناخَ راحِلَتِه! وهو كِنايةٌ عن تَأخُّرِه في شَدِّ راحِلَتِه وإناخَتِها للهِجرةِ، فاللَّومُ على الرَّجُلِ الذي قَعَدَت به راحِلَتُه ولم يُهاجِرْ، ثُمَّ بَيَّن رَضيَ اللهُ عنه عُذرَه وسَبَبَ عَزلِه لخالِدِ بنِ الوليدِ لقيادةِ جَيشِ الشَّامِ، فقال: وإنِّي أعتَذِرُ إليكم مِن خالِدِ بنِ الوليدِ، إنِّي أمَرتُه أن يَحبِسَ هذا المالَ، أي: الغَنائِمَ، على ضَعَفةِ المُهاجِرينَ، أي: أن يوقِفَ هذا المالَ ويَقصُرَه على ضَعَفةِ المُهاجِرينَ، فأعطاه ذا الشَّرَفِ، أي: أصحابَ الوجاهةِ والمَكانةِ، وذا اللِّسانِ، أي: أصحابَ الكَلامِ الفصيحِ، فنَزَعتُه، أي: عَزَلتُه وأمَّرتُ أبا عُبَيدةَ، أي: جَعَلتُه أميرًا، وهو عامِرُ بنُ الجَرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه.

وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ المالَ مالُ اللهِ هو الذي تَولَّى قِسمَتَه.

وفيه قِسمةُ الخَليفةِ الأموالَ بَينَ النَّاسِ حَسَبَ مَنزِلَتِهم وسابقَتِهم في الدِّينِ.

وفيه التَّسويةُ في القَسْمِ بَينَ زَوجاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كُلِّهنَّ.

وفيه عَدلُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَينَ زَوجاتِه.

وفيه تَقديمُ المُهاجِرينَ على غَيرِهم.

وفيه فَضلُ أصحابِ غَزوةِ بَدرٍ.

وفيه فَضلُ أصحابِ غَزوةِ أُحُدٍ.

وفيه فَضلُ ومَنزِلةُ الهِجرةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ.

وفيه بَيانُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه سَبَبَ عَزلِه لخالِدِ بنِ الوليدِ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه فَضلُ أبي عُبَيدةَ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه مَشروعيَّةُ عَزلِ الخَليفةِ لأحَدِ وُلاتِه.

وفيه تَبيينُ الخَليفةِ أسبابَ عَزلِ الوُلاةِ والقادةِ؛ حَتَّى لا يَقَعَ في نُفوسِهم ونُفوسِ الرَّعيَّةِ شَيءٌ .

أحاديث ذات صلة