عن العوامِ بنِ حوشبٍ قال : نزلتُ مرةً حيًا ، وإلى جانبِ ذلك الحيِّ مقبرةٌ ، فلما كان بعد العصرِ انشقَّ فيها قبرٌ ، فخرج رجلٌ رأسُه رأسُ الحمارِ ، وجسُده جسدُ إنسانٍ ، فنهق ثلاثَ نهقاتٍ ثم انطبق عليه القبرُ ، فإذا عجوزٌ تغزلُ شعرًا أو صوفًا ، فقالت امرأةٌ : ترى تلك العجوزَ ؟ قلت : ما لها ؟ قالت : تلك أم هذا .
قلت : وما كان قصتُه ؟ قالت : كان يشربُ الخمرَ ، فإذا راح تقولُ له أمُّه : يا بني اتقِّ اللهَ إلى متى تشربُ هذه الخمرَ ؟ ! فيقولُ لها : إنما أنت تنهقين كما ينهقُ الحمارُ ! قالت : فمات بعد العصرِ .
قالت : فهو ينشقُّ عنه القبرُ بعد العصرِ ، كلَّ يومٍ فينهقُ ثلاثَ نهقاتٍ ، ثم ينطبقُ عليه القبرُ
عُقوقُ الوالدَينِ مِن كَبائِرِ الذُّنوبِ التي جاءَ الوعيدُ الشَّديدُ فيها في الدُّنيا والآخِرةِ، فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لا يَدخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، وسَواءٌ كان هذا العُقوقُ بالقَولِ أوِ الفِعلِ؛ ولهذا نَهى سُبحانَه عن قَولِ كَلِمةِ أُفٍّ، وأمَر بالإحسانِ إليهما فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] .
وقد ورَدَت قِصَصٌ في بَيانِ عُقوبةِ مَن عَقَّ والدَيه، ومِن ذلك ما حَكاه العَوَّامُ بنُ حَوشَبٍ أحَدُ التَّابِعينَ أنَّه نَزَلَ مَرَّةً حيًّا، وهو المَكانُ المَعمورُ بالسُّكَّانِ، وإلى جانِبِ هذا الحَيِّ مَقبَرةٌ، فلَمَّا كان بَعدَ العَصرِ انشَقَّ مِنَ المَقبَرةِ قَبرٌ، فخَرَجَ رَجُلٌ رَأسُه رَأسُ الحِمارِ، وجَسَدُه جَسَدُ إنسانٍ، فنَهَقَ -أي: صاحَ بمِثلِ صَوتِ الحِمارِ! فالنَّهيقُ هو صَوتُ الحِمارِ- ثَلاثَ نَهَقاتٍ، ثُمَّ انطَبَقَ عليه القَبرُ! فاندَهَشَ العَوَّامُ مِن هذا المَنظَرِ، وكانت هناكَ عَجوزٌ تَغزِلُ شَعرًا أو صوفًا، أي: تَفتِلُ خُيوطًا بالمِغزَلِ، فقالت له امرَأةٌ: تَرى تلك العَجوزَ؟ فقال: ما لَها؟ قالت: تلك أمُّ هذا، أي: هذا الرَّجُلِ الذي خَرَجَ مِنَ القَبرِ.
فقال العَوَّامُ: وما كان قِصَّتُه؟ فقالتِ المَرأةُ: كان يَشرَبُ الخَمرَ، فإذا راحَ، أي: عادَ إلى البَيتِ، تَقولُ له أُمُّه: يا بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ! إلى مَتى تَشرَبُ هذه الخَمرَ؟! فيَقولُ لَها: إنَّما أنتِ تَنهَقين كما يَنهَقُ الحِمارُ! فماتَ بَعدَ العَصرِ، فهو يَنشَقُّ عنه القَبرُ بَعدَ العَصرِ كُلَّ يَومٍ فيَنهَقُ ثَلاثَ نَهَقاتٍ، ثُمَّ يَنطَبِقُ عليه القَبرُ! فعاقَبَه اللهُ تعالى مِن جِنسِ فِعلِه وإساءَتِه لأُمِّه؛ إذ لم يَسمَعْ نَصيحَتَها له، بَل عانَدَ وكابَرَ وتَلَفَّظ عليها بألفاظٍ قَبيحةٍ، فجَعَلَ اللهُ رَأسَه رَأسَ حِمارِ وصَوتَه صَوتَ حِمارٍ.
وفي الحَديثِ أنَّ الجَزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ.
وفيه خُطورةُ عُقوقِ الوالدَينِ.
وفيه خُطورةُ شُربِ الخَمرِ.
وفيه إثباتُ عَذابِ القَبرِ.
وفيه أنَّ اللَّهَ تعالى قد يَكشِفُ لبَعضِ عِبادِه عن حالِ بَعضِ المُعَذَّبينَ في قُبورِهم للعِظةِ والعِبرةِ؛ ليَزدادوا إيمانًا .