عن أبي العاليةِ قال لما افتَتَحْنا تُسترَ وجدْنا في مال بيتِ الهُرمُزانِ سريرًا عليه رجلٌ ميتٌ عند رأسِه مصحفٌ فأخذنا المصحفَ فحملْناه إلى عمرَ بنِ الخطاب ِفدعا له كعبًا فنسخَه بالعربيةِ فأنا أولُ رجلٍ من العربِ قرأه قرأتُه مثلُ ما أقرأ القرآنَ هذا فقلتُ لأبي العاليةِ ما كان فيه قال سيرُكم وأمورُكم ولحونُ كلامِكم وما هو كائنٌ بعدُ قلتُ فما صنعتُم بالرجلِ قال حفَرْنا بالنهارِ ثلاثةَ عشرَ قبرًا مُتفرِّقَةً فلما كان بالليلِ دفنَّاه وسوَّينا القبورَ كلَّها لنُعَمِّيَه على الناسِ فلا يَنبشونَه قلتُ فما يَرجون منه قال كانت السماءُ إذا حُبِسَتْ عنهم برَزوا بسريرِه فيُمطَرون قلتُ من كنتم تظنون الرجلَ قال رجلٌ يقال له دَانيالُ قلتُ منذُ كم وجدتُموه قد مات قال منذ ثلثمائةِ سنةٍ قلتُ ما تغيَّر منه شيءٌ قال لا إلا شعراتٌ من قفاه إنَّ لحومَ الأنبياءِ لا تَبلِيها الأرضُ ولا تأكلُها السِّباعُ
أخرجه ابن إسحق في ((السيرة)) (49)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (1/381) باختلاف يسير.
انتَشَرَتِ الفُتوحاتُ الإسلاميَّةُ في عَهدِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، ففُتِحَت كَثيرٌ مِنَ البُلدانِ، ومِنها بلادُ تُستَرَ، وهيَ مَدينةٌ عَظيمةٌ مِن مُدُنِ فارِسَ، افتَتَحَها المُسلمونَ في عَهدِ أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه سَنةَ سَبعَ عَشرةَ مِنَ الهجرةِ، بقيادةِ أبي موسى الأشعَريِّ رَضيَ اللهُ عنه، ومِمَّا جاءَ في أحداثِ تلك المَعرَكةِ يَقولُ أبو العاليةِ أحَدُ كِبارِ التَّابعينَ واسمُه رَفيعُ بنُ مِهرانَ الرِّياحيُّ: لمَّا افتَتَحْنا تُستَرَ وجَدْنا في بَيتِ مالِ الهُرمُزانِ، وهو قائِدُ الفُرسِ، سَريرًا عليه رَجُلٌ مَيِّتٌ، وهذا الرَّجُلُ هو دانيالُ كما في الرِّواياتِ الأُخرى، قيلَ: إنَّه نَبيٌّ، وقيلَ: رَجُلٌ صالحٌ، وعِندَ رَأسِه مُصحَفٌ، فأخَذنا المُصحَفَ فحَمَلناه إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه فدَعا له كَعبَ الأحبارِ فنَسَخَه بالعَرَبيَّةِ، أي: تَرجَمَ ما في ذلك المُصحَفِ إلى العَرَبيَّةِ، يَقولُ أبو العاليةِ: فأنا أوَّلُ رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ قَرَأه، قَرَأتُه مِثلَ ما أقرَأُ القُرآنَ هذا، أي: أنَّه قَرَأه بتَرتيلٍ كما يَقرَأُ القُرآنَ، فقُلتُ لأبي العاليةِ -والقائِلُ هو أبو خَلدةَ خالِدُ بنُ دينارٍ الرَّاوي عن أبي العاليةِ-: ما كان فيه؟ فقال أبو العاليةِ: فيه سيرُكم وأُمورُكم، ولُحونُ كَلامِكم، وما هو كائِنٌ بَعدُ، أي: ما سَيَحصُلُ بَعدُ مِنَ الأُمورِ الغائِبةِ.
قال أبو خَلدةَ: فما صَنَعتُم بالرَّجُلِ، أي: دانيالَ؟ فقال أبو العاليةِ: حَفَرْنا بالنَّهارِ ثَلاثةَ عَشَرَ قَبرًا مُتَفرِّقةً، فلَمَّا كان باللَّيلِ دَفنَّاه وسَوَّينا القُبورَ كُلَّها لنُعَمِّيَه، أي: نُخفِيَه على النَّاسِ، فلا يَنبُشونَه، أي: حَتَّى لا يَنبُشوا قَبرَه ويُخرِجوه مَرَّةً أُخرى.
قال أبو خَلدةَ: فما يَرجونَ مِنه؟ أي: لماذا كان أولَئِكَ القَومُ مُحتَفِظينَ بجَسَدِ دانيالَ، وماذا يُريدونَ مِنه؟ فقال أبو العاليةِ: كانتِ السَّماءُ إذا حُبِسَت عنهم، أي: لم تُمطِرْ، بَرَزوا بسَريرِه، أي: أخرَجوا سَريرَه وهو فيه للسَّماءِ فيُمطَرونَ! والمَعنى: أنَّهم كانوا يَرجونَ بَرَكَتَه بنُزولِ المَطَرِ.
قال أبو خَلدةَ: مَن كُنتُم تَظُنُّونَ الرَّجُلَ؟ فقال أبو العاليةِ: رَجُلٌ يُقالُ له دانيالُ.
قال أبو خَلدةَ: مُنذُ كَم وجَدتُموه قد ماتَ؟ فقال أبو العاليةِ: مُنذُ ثَلَاثمِائةِ سَنةٍ! قال أبو خَلدةَ: ما تَغَيَّرَ مِنه شَيءٌ؟! فقال أبو العاليةِ: لا إلَّا شَعَراتٍ مِن قَفاه، أي: خَلفَه، إنَّ لُحومَ الأنبياءِ لا تُبليها، أي: لا تُغَيِّرُها، الأرضُ، ولا تَأكُلُها السِّباعُ، وإنَّما تَبقى كما هيَ، وهذا دَليلٌ لمَن قال: إنَّه نَبيٌّ، ولَكِن إن كان تاريخُ وَفاتِه مَحفوظًا مِن ثَلاثمِائةِ سَنةٍ، فلَيسَ بنَبيٍّ، بَل هو رَجُلٌ صالحٌ؛ لأنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ ليس بَينَه وبَينَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَبيٌّ، والفترةُ التي كانت بَينَ عيسى والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أربَعُمِائةِ سَنةٍ، وقيلَ: سِتُّمِائةٍ.
وفي الحَديثِ إثباتُ دانيالَ ووُجودُه وأنَّه حَقيقةٌ.
وفيه أنَّ وَضعَ المُصحَفِ عِندَ رَأسِ المَيِّتِ كان مِن فِعلِ السَّابقينَ في أنبيائِهم وصالحيهم.
وفيه سَدُّ وقَطعُ وسائِلِ الشِّركِ؛ فقد أخفى الصَّحابةُ قَبرَ دانيالَ حَتَّى لا يَتَبَرَّكَ النَّاسُ به فيُعبَدَ مِن دونِ اللهِ.
وفيه ما جَعَلَ اللَّهُ في أنبيائِه مِنَ البَرَكةِ.
وفيه أنَّ أجسادَ الأنبياءِ لا تَأكُلُها الأرضُ ولا السِّباعُ.
وفيه دَليلٌ لمَن قال: إنَّ دانيالَ نَبيٌّ .
سيرة ابن إسحاق (1/ 43) 49 حدثنا أحمد قال نا يونس بن بكير عن أبي خلدة خلد ابن دينار قال نا أبو العالية قال لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه الى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه قرأته مثل ما أقرأ القرآن هدا فقلت لأبي العاليه ما كان فيه فقال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشرا قبرا متفرقة فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه قلت وما يرجون منه قال كانت السماء اذا حبست عليهم برزوا بسريره فيمطرون قلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات قال منذ ثلثمائة سنة قلت ما كان تغير بشيء قال لا الا شعيرات من قفاه ان لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع
[دلائل النبوة - البيهقي] (1/ 381) :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن أبي خلدة: خالد بن دينار، قال: حدثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر بن الخطاب، [[رضي الله عنه]] ، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، أنا أول رجل من العرب، قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا.
فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ فقال: سيرتكم، وأموركم، ودينكم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد.
قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة، فلما كان في الليل دفناه وسوينا القبور كلها، لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقلت وما ترجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عليهم برزوا بسريره فيمطرون.
قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال فقلت مذ كم وجدتموه مات؟ قال: مذ ثلاثمائة سنة.
فقلت : ما كان تغير شيئا؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع.