في الرجلِ الذي قتل صيدًا فسألَ عمرَ فقال : احكُمْ فيه ، فقال : أنتَ خيرٌ منِّي وأعلمُ يا أميرَ المؤمنينَ ، فقال : إنما أمرتُكَ أنْ تحكُمَ فيه ولم آمُركَ أنْ تزكِّيَني ، فقال الرجلُ : أرَى فيه جديًا ، قال عمرُ : فذلك فيه
خَصَّ اللهُ تعالى بَعضَ البُلدانِ بخَصائِصَ لَيسَت لغَيرِها، ومِن أعظَمِ تلك البُلدانِ مَكَّةُ؛ فهيَ قِبلةُ المُسلمينَ ومَهوى أفئِدةِ المُؤمِنينَ، وقد خَصَّ اللهُ تعالى مَكَّةَ بخَصائِصَ كَثيرةٍ، ومِن تلك الخَصائِصِ حُرمةُ الصَّيدِ فيها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ، فجَعَلَ سُبحانَه جَزاءَ مَن قَتلَ صيدًا مِن صَيدِ الحَرَمِ فِديةً تُعادِلُ ذلك الصَّيدَ، يَحكُمُ بها ذَوا عَدلٍ، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ جَزاءِ مَن قَتلَ صَيدًا، فجاءَ أنَّ رَجُلًا يُقالُ له: أربَدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ البَجَليُّ، أدرَكَ الجاهليَّةَ قَتَلَ صَيدًا، وفي رِواية: أنَّه قَتَلَ ضبًّا، فسَألَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه عن حُكمِ هذا الفِعلِ وما فيه مِنَ الجَزاءِ، فقال عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه: احكُمْ فيه يا أربَدُ، أي: ليَنضَمَّ نَظَرُه واجتِهادُه إلى اجتِهادِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فإنَّه يُعتَمَدُ في المُماثَلةِ قَولُ عَدلَينِ، فقال أربَد: أنتَ خَيِّرٌ مِنِّي يا أمير المُؤمِنينَ وأعلَمُ، أي: فأنتَ أحَقُّ بالحُكمِ فيها، فقال أربَدُ: أنتَ خَيرٌ منِّي يا أميرَ المُؤمِنينَ وأعلَمُ، أي: فأنتَ أحَقُّ بالحُكمِ فيها، فقال عُمَرُ: إنَّما أمَرتُك أن تَحكُمَ فيه، ولم آمُرْك أن تُزَكِّيَني، أي: أن تَمدَحَني وتُثنيَ عليَّ.
فقال أربَدُ: أرى فيه -أي: في جَزاءِ صَيدِ الضَّبِّ- جَدْيًا.
وفي رِوايةٍ: جَدْيًا قد جَمَعَ الماءَ والشَّجَرَ، أي: أنَّه قد أكَلَ ورَعى وشَرِبَ الماءَ وتَجاوزَ حَدَّ الرَّضاعِ مِن أُمِّه، والمَعنى: أنَّه قَويٌّ وصارَ بحَيثُ يَرعى.
فقال عُمَرُ بذلك فيه، أي: أقَرَّ عُمَرُ هذا الجَزاءَ وحَكَم به.
وفي المَسألةِ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ جَزاءِ الصَّيدِ.
وفيه أنَّ جَزاءَ الصَّيدِ بمِثلِه مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ به ذَوا عَدلٍ مِنَ المُسلمينَ.
وفيه أنَّه يُشرَعُ أن يَكونَ أحَدُ الحَكَمَينِ هو قاتِلَ الصَّيدِ.
وفيه تَوقيرُ أهلِ العِلمِ ومَن له مَكانةٌ في الدِّينِ .