كنتُ عندَ أبي فجاء رجلٌ فقال: إني ما رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أمسِ: فأخافُ أنْ يكونَ مَقَتَني فأحبُّ أن تَسأَلَه لي عن شيءٍ قال: اذهَبْ أنتَ فاستَفتِه قال: وعبدُ اللهِ قائمٌ بين يدَي فسطاطِه بمِنًى إذ جاء رجلٌ إلى القصرِ فأتاه ثم رجَع قال: فأخبرنا حين قال: قلتُ: يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أفتِني يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أفتِني يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أفتِني قال: لا تقُلْ بهذا إلا حقًّا وأشار إلى لسانِه ولا تَعمَلْ بهذا إلا صلحًا تدخُلِ الجنةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ قال: قلتُ: قد جوَّزتَ في الفُتيا قال: إنَّكَ جئتَ وأنا أريدُ الكعبةَ وقد نُشِر بُردايَ أو حُلَّتي وإن قلتَ ذلك لقد أوتي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسطَ أمرِه فقيل له: قُمْ فجوِّزْ فقام فجوَّز مَن قبلَه ومَن بعدَه قال: قلتُ: يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو مِن كلِّ ذنبٍ يَقبَلُ اللهُ التوبةَ ؟ قال: نعَم

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - الوصايا النافعة# علم - الإيجاز في الفتوى# صلح - الإصلاح بين الناس# توبة - سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه# رقائق وزهد - حفظ الجوارح
المصدر: إتحاف الخيرة المهرة
الراوي: عبدالله بن عمرو
المحدث: البوصيري
الحكم:سنده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه ابن أبي شيبة كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (1/ 237)أخرجه ابن أبي شيبة كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (1/ 237)

الشرح والتوضيح

حَثَّتِ الشَّريعةُ على طَلَبِ العِلمِ ورَغَّبَت فيه، وإنَّ مِن آدابِ طالِبِ العِلمِ مُجالَسةَ العُلَماءِ وسُؤالَهم وطَلَبَ الوصيَّةِ مِنهم، وقد كان السَّلَفُ مِنَ التَّابِعينَ يَحرِصونَ على سُؤالِ وطَلَبِ الوَصيَّةِ مِنَ الصَّحابةِ، فيُخبرُهمُ الصَّحابةُ بما فيه مَنفعةٌ لَهم في دينِهم ودُنياهم، وفي هذا الحَديثِ نَموذَجٌ مِن حالِ السَّلَفِ مَعَ أهلِ العِلمِ، يَقولُ ثُمامةُ بنُ حَزْنٍ، وهو أحَدُ كِبارِ التَّابعينَ: كُنتُ عِندَ أبي -واسمُه حَزْنُ بنُ عَبدِ اللَّهِ- فجاءَ رَجُلٌ فقال: إنِّي ما رَأيتُ عَبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنه أمسِ، فأخافُ أن يَكونَ مَقَتَني، أي: أبغَضَني، وفي رِوايةٍ: فأخافُ أن يَفوتَني، فأحِبُّ أن تَسألَه لي عن شَيءٍ، أي: أنَّه تَحَرَّجَ مِن سُؤالِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو، فطَلَبَ مِن حَزْنٍ أن يَسألَه، فقال حَزْنٌ: اذهَبْ أنتَ فاستَفتِه.

وكان عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنه قائِمًا بَينَ يَدَيْ فُسطاطِه، وهو بَيتٌ يَكونُ مِنَ الشَّعرِ بمِنًى.

ولَعَلَّ ذلك كان أيَّامَ الحَجِّ، إذ جاءَ رَجُلٌ إلى القَصرِ، أي: المَكانِ الذي فيه عَبدُ اللَّهِ، وفي رِوايةٍ: جاءَ إلى الفَضاءِ، فأتى إلى عَبدِ الِلَّه، ثُمَّ رَجَعَ، فأخبَرَهم بما حَصَلَ بَينَه وبَينَ عَبدِ اللَّهِ، وأنَّه قال: يا عَبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو، أفتِني يا عَبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو، أفتِني يا عَبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو أفتِني، أي: أنَّه ألَحَّ عليه في السُّؤالِ، فقال له عَبدُ اللَّهِ: لا تَقُلْ بهذا إلَّا حَقًّا، وأشارَ إلى لسانِه، ولا تَعمَلْ بهذا إلَّا صالحًا، وأشارَ إلى يَدِه، كما في الرِّوايةِ الأُخرى، تَدخُلِ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ ولا عَذابٍ.

فقال الرَّجُلُ لعَبدِ اللَّه: قد جَوَّزتَ في الفُتيا.

يَعني: أوجَزتَ فيها وأقلَلتَ ولَم تُطَوِّلْ فيها، فبَيَّنَ له عَبدُ اللَّهِ سَبَبَ ذلك، فقال: إنَّك جِئتَ وأنا أُريدُ الكَعبةَ، وقد نُشِرَ بُرداي وهو كِساءٌ أسودُ مُرَبَّعٌ فيه صغرٌ، تَلبَسُه الأعرابُ، أو حُلَّتي، والحُلَّةُ هو الثَّوبُ الذي يَشتَمِلُ على رِداءٍ وإزارٍ، أي: أنِّي لَستُ مُستعِدًّا للتَّحديثِ والفتَيا بسَبَبِ انشِغالي بالذَّهابِ إلى الكَعبةِ، وإن قُلتَ ذلك، أي: إذا كُنتَ قُلتَ عنِّي: إنِّي أوجَزتُ، فلَقد أوتيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسَطَ أمرِه، أي: كان يُفتي وتَكونُ فتواه وسَطًا في الحَديثِ، وقد يَحتَمِلُ الكَلامُ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوتيَ خَيرَ أمرِه.

وفي رِوايةٍ: لَقد أفتى رَسولُ اللهِ، فقيلَ له: قُمْ فجَوِّزْ، أي: أوجِزْ في الحَديثِ والفُتيا، فقامَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فجَوَّز، أي: امتَثَلَ ما طُلِبَ مِنه، فكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أجَوزَ مَن قَبلَه ومَن بَعدَه، أي: مِنَ النَّاسِ، فكان كَلامُه مُوجَزًا مفيدًا؛ فقد أُوتيَ جَوامِعَ الكَلِمِ، ثُمَّ قال الرَّجُلُ لعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو: مِن كُلِّ ذَنبٍ يَقبَلُ اللَّهُ التَّوبةَ؟ فقال: نَعَم.

وفي الحَديثِ أهَمِّيَّةُ مُجالَسةِ أهلِ العِلمِ.

وفيه سُؤالُ أهلِ العِلمِ عَمَّا يُشكِلُ.

وفيه الإيجازُ في الفتوى.

وفيه وعظُ العالِم لمَن عِندَه وتَذكيرُهم.

وفيه أهَمِّيَّةُ قَولِ الحَقِّ.

وفيه أهَمِّيَّةُ أمرِ اللِّسانِ.

وفيه أنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ سَبَبٌ لدُخولِ الجَنَّةِ.

وفيه أنَّ التَّوبةَ تُقبَلُ مِن كُلِّ الذُّنوبِ .

الأصول والأحكام

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة] (1/ 237) :

345 - قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن ثمامة بن حزن قال: "كنت عند أبي، فجاء رجل فقال: إني ما رأيت عبد الله بن عمرو أمس فأخاف أن يكون مقتني، فأحب أن تسأله لي عن شيء، قال: اذهب أنت فاستفته، قال: وعبد الله قائم بين يدي فسطاطه بمنى إذ جاء رجل إلى الفضاء، فأتاه ثم رجع، قال: فأخبرنا حين جاء قال: قلت: يا عبد الله بن عمرو، أفتنا ياعبد الله بن عمرو، أفتنا، ياعبد الله بن عمرو أفتنا، قال: لا تقل بهذا إلا حقا- وأشار إلى لسانه - ولا تعمل بهذا إلا صالحا- يعني يده- تدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال: قلت: جوزت في الفتيا، قال: إنك جئت وأنا أريد الكعبة، وقد نشر برداي- أوحلتي- وإن قلت ذلك لقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط أمره، فقيل له: قم فجوز، فقام فجوز، فكان أجوز من قبله ومن بعده، قال: قلت: يا عبد الله بن عمرو، من كل ذنب يقبل الله التوبة؟ قال: نعم ".

هذا إسناد رجاله ثقات وسعيد بن إياس الجريري وإن اختلط بأخرة، فإن إسماعيل ابن علية روى عنه قبل الاختلاط، ومن طريقه روى مسلم في صحيحه.

أحاديث ذات صلة