لمَّا وَرَدَ مُعاويةُ الكوفةَ، واجتَمَعَ عليه الناسُ، قال له عَمْرُو بنُ العاصِ: إنَّ الحَسَنَ مُرتَفِعٌ في الأنْفُسِ؛ لِقَرابَتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإنَّه حَديثُ السِّنِّ، عَييٌّ، فمُرْه فليَخطُبْ؛ فإنَّه سيَعْيَى، فيَسقُطُ مِنْ أنْفُسِ الناسِ.

فأبَى، فلم يَزالوا به حتى أمَرَه، فقامَ على المِنبَرِ دُونَ مُعاويةَ، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال: لو ابتَغَيتُم بيْنَ جابَلْقَ وجابَرْسَ رَجُلًا جَدُّه نَبيٌّ غَيري وغَيرَ أخي لم تَجِدوه، وإنَّا قد أعطَيْنا مُعاويةَ بَيعَتَنا، ورأينا أنَّ حَقنَ الدِّماءِ خَيرٌ، وما أدْري لَعَلَّه فِتنةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حينٍ.

وأشارَ بيَدِه إلى مُعاويةَ، فغَضِبَ مُعاويةُ، فخَطَبَ بَعدَه خُطبةً عَييَّةً فاحِشةً، ثم نَزَلَ.

وقال: ما أرَدتَ بقَولِكَ: فِتنةٌ لكم ومَتاعٌ؟ قال: أرَدتُ بها ما أرادَ اللهُ بها.

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - فضائل قرابة النبي صلى الله عليه وسلم# أدعية وأذكار - حمد الله في كل الأحوال# جمعة - الخطبة على المنبر# مناقب وفضائل - أهل البيت صلوات الله عليهم# مناقب وفضائل - الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: محمد
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبير)) (6/ 383)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (13/ 275) كلاهما بلفظه، والطبراني (3/ 87) (2748) مختصرا .

الشرح والتوضيح

لمَّا توفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان بَعدَه عَهدُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وسارَتِ الأُمورُ في عَهدِهم على أحسَنِ حالٍ مِنِ استِقامةِ أمرِ النَّاسِ وكَثرةِ الفُتوحاتِ الإسلاميَّةِ وانتِشارِ الإسلامِ، ثُمَّ أعقَبَ ذلك وُقوعُ الفِتَنِ عَقِبَ مَقتَلِ أميرِ المُؤمِنينَ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه، وما حَصَلَ مِن قِتالٍ بَينَ الصَّحابةِ في مَعرَكةِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وانتَهَت بمَقتَلِ الخَليفةِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، قَتَلَه أحَدُ الخَوارِجِ، وتَولَّى الخِلافةَ بَعدَه ابنُه الحَسَنُ رَضيَ اللهُ عنه، ولَكِنَّه تَنازَلَ بها لمُعاويةَ رَضيَ اللهُ عنه حقنًا لدِماءِ المُسلِمينَ، وصَدَقَت نُبوءةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحَسَنِ؛ حَيثُ قال: إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وسيُصلِحُ اللهُ به بَينَ طائِفتَينِ مِنَ المُسلِمينَ، فتَمَّ الصُّلحُ وبايَعَ الحَسَنُ مُعاويةَ رَضيَ اللهُ عنه، ولَمَّا ورَدَ، أي: دَخَلَ وحَضَرَ مُعاويةُ الكوفةَ، واجتَمَعَ عليه النَّاسُ، قال له عَمرُو بنُ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه: إنَّ الحَسَنَ، أي: الحَسَنَ بنَ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنهما، مُرتَفِعٌ في الأنفُسِ، أي: مَكانتُه ومَنزِلَتُه عِندَ النَّاسِ عاليةٌ؛ وذلك لقَرابَتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فهو ابنُ فاطِمةَ بنتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَضيَ اللهُ عنها، وإنَّه حَديثُ السِّنِّ، أي: صَغيرُ السِّنِّ، عَييٌّ، والعِيُّ خِلافُ البَيانِ، وعَيِيَ في المَنطِقِ، أي: حَصِرَ في الكَلامِ فلَم يَستَطِعِ البَيانَ، فمُرْه فليَخطُبْ، أي: يَخطُبْ في النَّاسِ؛ فإنَّه سيَعْيا، أي: سيَعجِزُ عَنِ البَيانِ في كَلامِه، فيَسقُطُ مِن أنفُسِ النَّاسِ، أي: أنَّ النَّاسَ إذا رَأوا عَدَمَ فصاحَتِه وبَيانِه فسَوف يَزهَدونَ فيه وتَنزِلُ مَكانتُه عِندَهم.

فأبى، أي: امتَنَعَ مُعاويةُ مِن ذلك، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ مُعاويةَ قال لَهم: لَقد رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمَصُّ لسانَه وشَفَتَه، ولَن يعيا لسانٌ مَصَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو شَفتَانِ، فلَم يَزالوا به أي: يُلِحُّونَ عليه أن يَأمُرَه حَتَّى أمَرَه، وفي رِوايةٍ أنَّ مُعاويةَ قال له: يا ابنَ أخي، لو صَعِدتَ وخَطَبتَ وأخبَرتَ النَّاسَ بالصُّلحِ، فقامَ الحَسَنُ رَضيَ اللهُ عنه، وصَعِدَ على المِنبَرِ دونَ مُعاويةَ، أي: بَدَلَ مُعاويةَ، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثنى عليه.

وهذا شَأنُ الخُطَبِ؛ أن يُبدَأَ فيها بحَمدِ اللهِ تعالى والثَّناءِ عليه، ثُمَّ قال: لو ابتَغَيتُم، أي: طَلَبتُم، بَينَ جابَلْقَ -وهيَ مَدينةٌ بأقصى المَغرِبِ، وأهلُها مِن وَلَدِ عادٍ- وجابَرْسَ -وهيَ مَدينةٌ بأقصى المَشرِقِ، وأهلُها مِن وَلَدِ ثَمودَ، وفي كُلِّ واحِدةٍ مِنهما بَقايا ولَدِ موسى عليه السَّلامُ- رَجُلًا جَدُّه نَبيٌّ غَيري وغَيرَ أخي، أي: الحُسَينِ، لَم تَجِدوه! وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَكُنْ له مِنَ الذُّرِّيَّةِ غَيرُ أولادِ فاطِمةَ رَضيَ اللهُ عنها، وهما الحَسَنُ والحُسَينُ رَضيَ اللهُ عنهما.

وإنَّا قد أعطَينا مُعاويةَ بَيعَتَنا، ورَأينا أنَّ حَقنَ الدِّماءِ خَيرٌ.

وهذا يَدُلُّ على كَمالِ عَقلِه وصيانَتِه لدينِه وعِرضِه، وخَوفِه على المُسلِمينَ مِنَ الاقتِتالِ، فتَرَكَ الخِلافةَ وكان لَها أهلًا، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّه قال: وإنِّي رَأيتُ أن أُصلِحَ بَينَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكُنتُ أحَقَّهم بذلك، إلَّا أنَّا بايَعْنا مُعاويةَ، وما أدري لَعَلَّه فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حينٍ! وأشارَ بيَدِه إلى مُعاويةَ، أي: وما أدري لَعَلَّ مُعاويةَ فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ إلى حينٍ.

ولمَّا قال الحَسَنُ ذلك غَضِبَ مُعاويةُ، فقامَ فخَطَبَ بَعدَ خُطبةِ الحَسَنِ خُطبةً عَيِيَّةً، أي: غَيرَ فصيحةٍ، فاحِشةً، أي: سَيِّئةً، فحَصَلَ عَكسُ مَقصودِه وما أرادَه هو وعَمرُو بنُ العاصِ بالحَسَنِ، رَضِيَ اللهُ عنهم جميعًا.

ثُمَّ نَزَلَ مُعاويةُ مِنَ المِنبَرِ وقال للحَسَنِ: ما أرَدتَ بقَولِك: فِتنةٌ لَكُم ومَتاعٌ؟ فقال الحَسَنُ: أرَدتُ بها ما أرادَ اللَّهُ بها، أي: في قَولِه تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] ، والمَقصودُ: أي: لَعَلَّ تَأخيرَ العَذابِ عَنكُمُ اختِبارٌ لَكُم؛ ليَرى كَيف صَنيعُكُم، ومَتاعٌ إلى حينٍ: أي: تَتَمَتَّعونَ إلى انقِضاءِ آجالِكُم.

وفي الحَديثِ مَكانةُ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنهما في قُلوبِ النَّاسِ.

وفيه فَضلُ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنهما.

وفيه ما كان عليه الحَسَنُ بنُ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنهما مِنَ الفصاحةِ والبَيانِ في خُطَبِه.

وفيه مَشروعيَّةُ ثَناءِ الشَّخصِ على نَفسِه عِندَ الحاجةِ.

وفيه مُبايَعةُ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ لمُعاويةَ رَضيَ اللهُ عنهم.

وفيه الصَّدعُ بكَلِمةِ الحَقِّ أمامَ الخَليفةِ.

وفيه أنَّ مَن أرادَ بشَخصٍ سُوءًا أو كيدًا عادَ عاقِبةُ كَيدِه عليه .

الأصول والأحكام

الطبقات الكبير (6/ 383 ط الخانجي) :

قال: أخبرنا هوذة بن خليفة، قال: حدثنا عوف، عن محمد، قال: لما كان زمن ورد معاوية الكوفة، واجتمع الناس عليه، وبايعه الحسن بن علي ، قال: قال أصحاب معاوية لمعاوية: عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وأمثالهما من أصحابه: إن الحسن بن علي مرتفع في أنفس الناس لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه حديث السن عيي، فمره فليخطب بأنه سيعيى في الخطبة فيسقط من أنفس الناس، فأبى عليهم، فلم يزالوا به حتى أمره، فقام الحسن بن علي على المنبر دون معاوية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والله لو ابتغيتم بين جابلق وجابرس رجلا جده نبي غيري وغير أخي لم تجدوه، وإنا قد أعطينا بيعتنا معاوية، ورأينا أن ما حقن دماء المسلمين خير مما هراقها، والله ما أدري {لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} وأشار بيده إلى معاوية.

قال: فغضب معاوية فخطب بعده خطبة عيية فاحشة ثم نزل.

وقال له: ما أردت بقولك: {فتنة لكم ومتاع إلى حين}.

قال: أردت بها ما أراد الله بها.

[تاريخ دمشق لابن عساكر] (13/ 275) :

اخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي أنا الحسن بن علي أنا محمد بن العباس أنا احمد بن معروف نا الحسين بن محمد أنا محمد بن سعد أنا هوذة بن خليفة نا عوف عن محمد قال لما كان زمن ورد معاوية الكوفة واجتمع الناس عليه وتابعه الحسن بن علي قال قال أصحاب معاوية لمعاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وامثالها من اصحابه أن الحسن بن علي مرتفع في انفس الناس لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانه حديث السن عيي فمره فليخطب فانه سيعيى في الخطبة فيسقط من انفس الناس فابى عليهم فلم يزالوا به حتى آمره فقام الحسن بن علي على المنبر دون معاوية فحمد الله واثنى عليه ثم قال والله لو ابتغيتم بين جابلق [[وجابرس]] رجلا جده نبي غيري وغير اخي لم تجدوه وأنا قد اعطينا بيعتنا معاوية وارينا أن حقن دماء المسلمين خير فما اهراقها " والله ما ادري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " قال واشار بيده إلى معاوية قال فغضب معاوية ‌فخطب ‌بعده ‌خطبة ‌عيية ‌فاحشة ثم نزل وقال ما اردت بقولك فتنة لكم ومتاع إلى حين قال اردت بها ما أراد الله بها

[المعجم الكبير للطبراني] (3/ 87) :

2748 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين أن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: " لو نظرتم ما بين ‌جابرس إلى جابلق ما وجدتم رجلا جده نبي غيري وأخي، وإني أرى أن تجتمعوا على معاوية، {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} [[الأنبياء: 111]] ".

قال معمر: " ‌جابرس وجابلق: المشرق والمغرب "

أحاديث ذات صلة