عن زيدٍ بنِ وهبٍ قال فكف علي يدِه حتى بدؤوه بالقتالِ فقاتلهم بعد الظهرِ فما غربت الشمسُ وحول الجملِ أحدٌ فقال عليٌّ لا تتمموا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا ومن أغلق بابَه وألقى سلاحَه فهو آمنٌ
حَرَّمَ اللهُ الاقتِتالَ بَينَ المُؤمِنينَ، وأخبَرَ أنَّ المُؤمِنينَ إخوةٌ، فلا يَنبَغي لأخٍ أن يُقاتِلَ أخاه، وإذا حَصَلَ خِلافٌ بَينَهما فعَلى أهلِ العِلمِ والصَّلاحِ أن يَسعَوا في الإصلاحِ بَينَهما، وأحيانًا قد يَحصُلُ مِن جَماعةٍ مِنَ المُسلمينَ سوءُ فهمٍ لِما يَراه أميرُ المُسلمينَ؛ مِمَّا يُؤَدِّي بهم إلى الخُروجِ عليه بالقِتالِ، وهؤلاء يُسَمِّيهم أهلُ العِلمِ البُغاةَ، وقد بَيَّنَ اللهُ تعالى كَيفيَّةَ التَّعامُلِ مَعَهم، فقال سُبحانَه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] ، فأخبَرَ أنَّهم ما زالوا على وصفِ الإيمانِ ولَم يَخرُجوا مِنه، فلا يُعامَلونَ في القِتالِ مُعامَلةَ الكُفَّارِ فيما يُعامَلُ به الكُفَّارُ مِن أسرٍ وقَتلٍ وأخذِ أموالٍ؛ ولهذا لمَّا خَرَجَ جَماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ على الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه مُطالِبينَ بقَتلِ قَتَلةِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضيَ اللهُ عنه مُتَأوِّلينَ ذلك باجتِهادٍ مِنهم، وحَصَلَ قِتالٌ بَينَهم في مَعرَكةِ الجَمَلِ، تَعامَلَ عليٌّ مَعَهم على أنَّهم مُؤمِنونَ، فيَحكي زَيدُ بنُ وَهبٍ -وهو أحَدُ التَّابِعينَ- ما حَصَلَ في مَعرَكةِ الجَمَلِ، فقال: إنَّ عَليَّ بنَ أبي طالبٍ لَم يَبدَأِ الخارِجينَ عليه بالقِتالِ، وإنَّما كَفُّ يَدَه حَتَّى بدؤوه هم بالقِتالِ، فعِندَ ذلك قاتَلَهم بَعدَ الظُّهرِ فما غَرَبَتِ الشَّمسُ وحَولَ الجَمَلِ أحَدٌ.
أيِ الجَمَلِ الذي كانت عليه عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها، وكان المُقاتِلونَ قد تَجَمَّعوا حَولَ الجَمَلِ يَذُبُّونَ عَنه، فقال عليٌّ: لا تُتَمِّموا جَريحًا، أي: تُكمِلوا وتُسارِعوا في الإنهاءِ على قَتلِ الجَريحِ، ولا تَقتُلوا مُدبِرًا، أي: هاربًا، وإنَّما مَن فرَّ مِنَ المَعرَكةِ يُترَكُ ولا يُلحَقُ، ومَن أغلَقَ بابَه وألقى سِلاحَه فهو آمِنٌ، أي: له الأمانُ مِنَ القَتلِ.
وكُلُّ ذلك فَعَله عليٌّ رَضيَ اللهُ عنه؛ لأنَّهم مُسلِمونَ، والقَصدُ مِن قِتالِهم دَفعُ شَرِّهم، فإذا لَم يُمكِنْ ذلك إلَّا بقَتلِهم قُتِلوا.
وفي الحَديثِ بَيانُ عِلمِ وفِقْهِ عليٍّ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ التَّعامُلِ مَعَ الخارِجينَ على الإمامِ.
وفيه أنَّ الإمامَ لا يَبدَأُ في قِتالِ الخارِجينَ عليه حَتَّى يبدؤوا همُ القِتالَ .