عنِ ابنِ عبَّاسٍ وذُكِرَ عندَهُ الخوارِجُ وما يَلقَوْنَ عندَ قِرَاءَةِ القُرآنِ فقال يؤمِنونَ بِمُحكَمِهِ ويَهلَكونَ عِندَ مُتشابِهِهِ
مِنَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ التي أخبَرَ عَنها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذَكَرَ بَعضَ صِفاتِهم، وحَذَّرَ مِنهم: فِرقةُ الخَوارِجِ، الذينَ يُكَفِّرونَ أهلَ الإسلامِ بالمَعاصي ويَستَحِلُّونَ دِماءَهم، ويَخرُجونَ على أئِمَّةِ المُسلِمينَ ويُقاتِلونَهم، وقد خَرَجوا في عَهدِ الخَليفةِ الرَّاشِدِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه، وقاتَلَهم عليٌّ في مَعرَكةِ النَّهروانِ، ومِنَ الصِّفاتِ التي أخبَرَ عَنهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اجتِهادُهم في العِبادةِ، فقال: يَحقِرُ أحَدُكُم صَلاتَه إلى صَلاتِهم، وصيامَه إلى صيامِهم، وأنَّهم يُكثِرونَ مِن قِراءةِ القُرآنِ، لَكِنَّهم لا يَفهَمونَ مَعانيَه وما أُريدَ به، فبذلك ضَلُّوا؛ ولهذا يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما لمَّا ذُكِرَ عِندَه الخَوارِجُ وما يَلقَونَ عِندَ قِراءةِ القُرآنِ، أي: مِنَ الخُشوعِ والعِبادةِ والإخباتِ عِندَ سَماعِ القُرآنِ، فقال: يُؤمِنونَ بمُحكَمِه، أي: بما اتَّضَحَ مَعناه وتَبَيَّنَ ولَم يَحتَجْ إلى بَيانٍ، وهيَ الآياتُ الواضِحاتُ، ويَهلِكونَ، أي: يَضِلُّونَ عِندَ مُتَشابِهِه، أي: مُتَشابِهِ القُرآنِ، وهو ما خَفِيَ مَعناه، والقاعِدةُ عِندَ أهلِ العِلمِ أنَّ المُتَشابِهَ يُرَدُّ إلى المُحكَمِ، فيَتَعَجَّبُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما مِن فِعلِهم هذا؛ حَيثُ يَخشَعونَ عِندَ قِراءةِ القُرآنِ، لَكِنَّهم يُؤَوِّلونَه بتَأويلٍ باطِلٍ أدَّى بهم إلى الضَّلالِ والانحِرافِ وقَتلِ المُسلِمينَ.
وفي الحَديثِ ذِكرُ صِفةٍ مِن صِفاتِ الخَوارِجِ.
وفيه عَدَمُ الاغتِرارِ بالخَوارِجِ؛ لكَثرةِ قِراءَتِهم للقُرآنِ.
وفيه أنَّ مِن صِفةِ أهلِ الأهواءِ تَركَ الواضِحِ واتِّباعَ المُتَشابِهِ .