عن سعدٍ قال : المؤمنُ يطبعُ على الخلالِ كلِّها إِلَّا الخيانةَ والكذبَ
أخرجه ابن أبي شيبة (26117) واللفظ له، والخلال في ((السنة)) (1525)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (490) باختلاف يسير.
حَثَّتِ الشَّريعةُ على الأخلاقِ الحَسَنةِ، وتَركِ الأخلاقِ السَّيِّئةِ، فأكمَلُ المُؤمِنينَ إيمانًا أحاسِنُهم أخلاقًا، والأخلاقُ السَّيِّئةُ تَتَفاوتُ في قُبحِها وإن كانت كُلُّها قَبيحةً، لَكِنَّ أشَدَّها قُبحًا خُلُقَا الخيانةِ والكَذِبِ؛ ولهذا يَقولُ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه: إنَّ المُؤمِنَ يُطبَعُ، أي: يُخلَقُ ويُمكِنُ أن يُطبَعَ -والطِّباعُ: ما رُكِّبَ في الإنسانِ مِن جَميعِ الأخلاقِ التي لا يَكادُ يُزاوِلُها مِنَ الخَيرِ والشَّرِّ- على الخِلالِ، أي: الخِصالِ، كُلِّها، أي: جَميعِ الأخلاقِ الذَّميمةِ، إلَّا الخيانةَ -وهيَ التَّفريطُ فيما يُؤتَمَنُ الإنسانُ عليه مِنَ الأموالِ والأعراضِ وغَيرِها- والكَذِبَ، وهو الإخبارُ بالشَّيءِ على خِلافِ ما هو عليه، سَواءٌ كان عَمدًا أم خَطَأً.
فالخيانةُ شامِلةٌ للخيانةِ في الأموالِ والأقوالِ والأفعالِ، والكَذِبُ شامِلٌ لقَبائِحِ الأقوالِ، أي: فأنَّ اللَّهَ لا يَطبَعُه عليهما، بَل إنَّما تَحصُلُ له بالتَّطَبُّعِ والتَّشَبُّهِ بالأشرارِ؛ وذلك لأنَّ المُؤمِنَ يُخلَقُ على الصِّدقِ والأمانةِ، كما هو مُقتَضى التَّصديقِ والإيمانِ، فما يَصدُرُ عَنِ المُؤمِنِ مِنَ الكَذِبِ والخيانةِ، فهو مِنَ الأُمورِ العارِضةِ لطَبيعَتِه لا مِن أصلِ خِلقَتِه وجِبلَّتِه، وإنَّما كانتِ الخيانةُ والكَذِبُ مُنافيَينِ لحالِ المُؤمِنِ؛ لأنَّه حَكمَ بأنَّه مُؤمِنٌ، والإيمانُ يُضادُّهما؛ إذِ الخيانةُ ضِدُّ الأمانةِ، فلا إيمانَ لمَن لا أمانةَ له، والكَذِبُ مُجانِبٌ للإيمانِ، وليس مِن شَرطِ المُؤمِنِ ألَّا يوجَدَ مِنه خيانةٌ ولا كَذِبٌ أصلًا، بَل ألَّا يَكثُرَ مِنه، فيَنبَغي على المُؤمِنِ ألَّا يَتَّصِفَ بهما، ويَجتَهدُ في إزالَتِهما؛ لأنَّه مُحَلُّ الصِّدقِ، وحامِلُ أمانةِ اللهِ.
وفي الحَديثِ أنَّ المُؤمِنَ قد يُطبَعُ على جَميعِ الأخلاقِ السَّيِّئةِ إلَّا الكَذِبَ والخيانةَ.
وفيه بَيانُ قُبحِ خُلُقَيِ الكَذِبِ والخيانةِ .