- لمَّا احتُضِرَ ابنُ عُمَرَ، قال: ما آسَى على شَيءٍ مِنَ الدُّنيا إلَّا على ثَلاثٍ: ظَمَأِ الهَواجِرِ ، ومُكابَدةِ اللَّيلِ، وأنِّي لم أُقاتِلِ الفِئةَ الباغيةَ التي نَزَلتْ بنا -يَعني الحَجَّاجَ.
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (213)، وابن زبر الربعي في ((وصايا العلماء)) (صـ63) واللفظ لهما، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 185) بلفظه مطولًا.
الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولبَعضِهم مَناقِبُ ومَزايا يَتَمَيَّزُ بها عَن غَيرِه، ومِن ذلك الصَّحابيُّ الجَليلُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما؛ فقد أسلَمَ مَعَ أبيه وهاجَرَ إلى المَدينةِ، وهو مِنَ المُكثِرينَ مِن رِوايةِ الحَديثِ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان رَضيَ اللهُ عنه زاهدًا في الدُّنيا مُقبِلًا على الآخِرةِ، ولمَّا احتُضِرَ، أي: قَرُبَ مَوتُه، قال لمَن حَولَه: ما آسى، أي: لا أحزَنُ على شَيءٍ مِنَ الدُّنيا إلَّا على ثَلاثٍ: ظَمَأِ الهَواجِرِ.
والهاجِرةُ: اشتِدادُ الحَرِّ نِصفَ النَّهارِ، ولَعَلَّه يَقصِدُ صيامَ النَّهارِ.
ومُكابَدةِ -أي: مُعاناةِ ومُقاساةِ اللَّيلِ، والمَقصودُ به قيامُ اللَّيلِ.
وأنِّي لَم أُقاتِلِ الفِئةَ الباغيةَ، أي: الظَّالِمةَ الخارِجةَ عَن طاعةِ الإمامِ، التي نَزَلَت بنا، يَعني: الحَجَّاجَ.
وذلك أيَّامَ قِتالِ الحَجَّاجِ بنِ يوسُفَ لعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ في مَكَّةَ، عِندَما كان ابنُ الزُّبَيرِ هو الخَليفةَ، وكان ابنُ عُمَرَ قد بايَعَ ابنَ الزُّبَيرِ، لَكِنَّه اعتَزَلَ القِتالَ الذي حَصَلَ بَينَ ابنِ الزُّبَيرِ والحَجَّاجِ.
وفي الحَديثِ فَضلُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما.
وفيه عَدَمُ الحِرصِ على الدُّنيا والبَقاءِ فيها إلَّا لخَيرٍ.
وفيه بَيانُ اعتِزالِ ابنِ عُمَرَ للقِتالِ أيَّامَ قِتالِ الحَجَّاجِ .
المحتضرين لابن أبي الدنيا (ص: 157) 213 - حدثنا عبد الله قال: حدثنا محمد بن عبيد الله قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير قال: لما حضرت ابن عمر الوفاة قال: ما آسى على شيء إلا على ظمأ الهواجر ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا.
يعني الحجاج
وصايا العلماء عند حضور الموت لابن زبر الربعي (ص: 63) أخبرنا أبي، نا محمد بن عبيد الله بن المنادي، نا روح بن عبادة، نا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير قال: لما حضر ابن عمر الموت قال: " ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر , ومكابدة الليل , وأني لم أقاتل هذه الفئة الباغية التي نزلت بنا - يعني الحجاج - "
الطبقات الكبرى ط دار صادر (4/ 185) قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني عياش العامري، عن سعيد بن جبير قال: لما أصاب ابن عمر الخبل الذي أصابه بمكة , فرمي حتى أصاب الأرض، فخاف أن يمنعه الألم , فقال: يا ابن أم الدهماء اقض بي المناسك.
فلما اشتد وجعه بلغ الحجاج , فأتاه يعوده , فجعل يقول: لو أعلم من أصابك لفعلت وفعلت، فلما أكثر عليه، قال: أنت أصبتني حملت السلاح في يوم لا يحمل فيه السلاح، فلما خرج الحجاج , قال ابن عمر: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث ظمإ الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا.