عن عمرِو بنِ سُلَيمٍ الزُّرَقيِّ: أنَّه رأَى عمرَ بنَ الخطَّابِ بالهاجِرةِ يُريدُ أرضًا له بالجُرْفِ، قال: فاتَّبَعْتُهُ حتى لحِقْتُهُ قال: فتماشَيْنا، فلقي علِيَّ بنَ أبي طالبٍ يحمِلُ عيدانًا من عِنبٍ، فقال عُمرُ لعليٍّ: ما بقي مِن شَدِّكَ؟ فألقى الذي كان يحمِلُ، ثمَّ اشتَدَّ، فقال له عُمرُ: إنِّي لأُراهُ قدْ بقي مِن شدِّكَ، ثمَّ انطلَق ومضَيْنا، فلَقِينا حِمارًا لعُمرَ يحمِلُ بَقْلًا يسوقُهُ غُلامٌ له، فقال لغُلامِهِ: أعجِلْ علَيَّ بالحمارِ، فجاءهُ به، لا رَسَنَ عليه، ولا حِلْسَ، فأراد أنْ يركَبَ، فأردْتُ أنْ أجعَلَ رِدائي تحتَهُ، قال: نَحِّ عنِّي رِداءَكَ، فركِبهُ بغيْرِ رَسَنٍ، ولا حِلْسٍ.
أخرجه أبو داود في ((الزهد)) (85) ، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (2/ 137) بلفظه .
الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولبَعضِهم مَناقِبُ ومَزايا يَتَمَيَّزُ بها عَن غَيرِه، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه؛ فمَناقِبُه كَثيرةٌ وفضائِلُه عَظيمةٌ، ومِمَّا كان يَتَّصِفُ به رَضيَ اللهُ عنه تَواضُعُه وتَفقُّدُه لحالِ رَعيَّتِه، ومِن ذلك ما حَكاه عَمرُو بنُ سُلَيمٍ الزُّرَقيُّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: أنَّه رَأى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه بالهاجِرةِ، أي: وقتَ اشتِدادِ الحَرِّ نِصفَ النَّهارِ، يُريدُ أرضًا له بالجُرُفِ، وهو مَوضِعٌ على بُعدِ ثَلاثةِ أميالٍ مِنَ المَدينةِ، قال عَمرٌو: فاتَّبَعتُه حَتَّى لَحِقتُه، أي: تَبِع عُمَرَ حَتَّى أدرَكَه، فتماشَينا، أي: مَشَيا مَعًا، فلَقيَ عَليَّ بنَ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه يَحمِلُ عِيدانًا، أي: أعوادًا مِن عِنَبٍ، فقال عُمَرُ لعَليٍّ: ما بَقيَ مِن شَدِّك؟ ولَعَلَّ المُرادَ بالشَّدِّ هنا العَدْوُ والجَريُ والقُوَّةُ والمَتانةُ، فكَأنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه يَستَثيرُ قوَّتَه، فألقى عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه الذي كان يَحمِلُ، ثُمَّ اشتَدَّ، أي عَدا مُسرِعًا، فقال له عُمَرُ: إنِّي لأراه قد بَقيَ مِن شَدِّك! فأثنى عليه عُمَرُ وعَلى قوَّتِه وبَأسِه رَضيَ اللهُ عنهما، ثُمَّ انطَلَقَ، أي: عَليُّ بنُ أبي طالبٍ، ومَضَينا، أي: عُمَرُ وعَمرُو بنُ سُلَيمٍ، فلَقينا حِمارًا لعُمرَ يَحمِلُ بَقلًا، والبَقلُ: كُلُّ نَباتٍ اخضَرَّت به الأرضُ، يَسوقُه غُلامٌ له، فقال عُمَرُ لغُلامِه: أعجِلْ، أي: أسرِعْ، عليَّ بالحِمارِ، فجاءَه به، لا رَسَنَ عليه -والرَّسَنُ: هو الحَبلُ الذي تُقادُ به الدَّابَّةُ- ولا حِلسَ، وهو الكِساءُ الذى يَلي ظَهرَ الدَّابَّةِ، فأرادَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه أن يَركَبَ الحِمارَ، يَقولُ عَمرٌو: فأرَدت أن أجعَلَ رِدائي تَحتَه، أي: تَحتَ الحِمارِ حَتَّى يَجلِسَ عليه عُمَرُ، فقال عُمَرُ: نَحِّ، أي: أبعِدْ عَنِّي رِداءَك، فرَكِبَه بغَيرِ رَسَنٍ ولا حِلسٍ.
وفي الحَديثِ تَواضُعُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ رُكوبِ الحِمارِ .