أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَثه في ذاتِ السَّلاسلِ فسأَله أصحابُه أنْ يوقِدوا نارًا فمنَعهم فكلَّموا أبا بكرٍ فكلَّمه في ذلك فقال: لا يوقِدُ أحدٌ منهم نارًا إلَّا قذَفْتُه فيها قال: فلقوا العدوَّ فهزَموهم فأرادوا أنْ يتبَعوهم فمنَعهم فلمَّا انصرَف ذلك الجيشُ ذكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشكَوْه إليه فقال: يا رسولَ اللهِ إنِّي كرِهْتُ أنْ آذَنَ لهم أنْ يوقِدوا نارًا فيرى عدوُّهم قِلَّتَهم وكرِهْتُ أنْ يتبَعوهم فيكونَ لهم مددٌ فيَعطِفوا عليهم فحمِد رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَه فقال: يا رسولَ اللهِ مَن أحَبُّ النَّاسِ إليك ؟ قال: ( لمَ ؟ ) قال: لِأُحِبَّ مَن تُحِبُّ قال: ( عائشةُ ) قال: مِن الرِّجالِ ؟ قال: ( أبو بكرٍ )

الدلالات الموضوعية:# مغازي - غزوة ذات السلاسل# إمامة وخلافة - تولية الأكفاء# سرايا - تأمير الأمراء على البعوث والسرايا ووصيتهم# مناقب وفضائل - أبو بكر الصديق# إمامة وخلافة - وجوب طاعة الإمام
المصدر: تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: عمرو بن العاص
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه ابن حبان (4540)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (2/ 27) واللفظ لهما، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (804) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولبَعضِهم مَناقِبُ ومَزايا يَتَمَيَّزُ بها عَن غَيرِه، ومِن ذلك الصَّحابيُّ الجَليلُ عَمرُو بنُ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه؛ فقد أسلَمَ قَبلَ فتحِ مَكَّةَ، ولمَّا أسلَمَ كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُقَرِّبُه ويُدنيه لمَعرِفتِه وذَكائِه وشَجاعَتِه، وولَّاه غَزوةَ ذاتِ السَّلاسِلِ، وأمَدَّه فيها بأبي بَكرٍ وعُمَرَ وأبي عُبَيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، ثُمَّ استَعمَلَه على عَمَّانَ، فماتَ وهو أميرُها، ثُمَّ كان مِن أُمَراءِ الأجنادِ في الجِهادِ بالشَّامِ في زَمَنِ عُمَرَ، ولمَّا بَعَثَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَرِيَّةِ ذاتِ السَّلاسِلِ، وقيلَ: إنَّها سُمِّيَت ذاتَ السَّلاسِلِ؛ لأنَّ المُشرِكينَ ارتَبَطَ بَعضُهم إلى بَعضٍ بالسَّلاسِلِ مَخافةَ أن يَفِرُّوا، وقيلَ: لأنَّ المُسلمينَ نَزَلوا على ماءٍ بأرضِ جُذامٍ يُقالُ له السَّلسَلُ، فسُمِّيَت ذاتَ السَّلاسِلِ.

وهيَ بُقعةٌ وراءَ وادي القُرى، بَينَها وبَينَ المَدينةِ عَشَرةُ أيَّامٍ.

وكانت سَنةَ ثَمانٍ للهجرةِ ضِدَّ الرُّومِ، فسَألَ أصحابُ عَمروٍ الذينَ كانوا مَعَه في الغَزوةِ عَمْرًا أن يوقِدوا نارًا، أي: لحاجَتِهم لَها ومَنفعَتِهم، أو لأنَّ الجَوَّ كان بارِدًا، فمَنَعَهم عَمرٌو، فكَلَّموا أبا بَكرٍ، أي: طَلَبوا مِن أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه أن يُكَلِّمَ عَمرًا، فكَلَّمَه أبو بَكرٍ في ذلك، أي: في أن يَأذَنَ لَهم أن يوقِدوا نارًا.

فقال عَمرٌو: لا يوقِدُ أحَدٌ مِنهم نارًا إلَّا قَذَفتُه فيها.

غَضِبَ عليهم في ذلك.

وقد جاءَ في رِوايةٍ أُخرى: أنَّ عَمرًا مَنَعَهم أن يوقِدوا نارًا، فأنكَرَ ذلك عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فقال له أبو بَكرٍ: دَعْه؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَبعَثْه علينا إلَّا لعِلمِه بالحَربِ، فسَكَتَ عَنه.

ثُمَّ إنَّهم لَقُوا العَدوَّ وهمُ الرُّومُ، فهَزَموهم، فأرادوا أن يَتبَعوهم، أي: أرادَ أصحابُ عَمروٍ أن يَتبَعوا جَيشَ الرُّومِ حَتَّى يَقضوا عليهم قَضاءً كامِلًا، فمَنَعَهم عَمرٌو مِن ذلك.

فلَمَّا انصَرَف ذلك الجَيشُ ورَجَعوا إلى المَدينةِ، ذَكَروا ما حَصَلَ مِن عَمرٍو للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَكَوه إليه، فسَألَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَن سَبَبِ ذلك، فقال عَمرٌو: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي كَرِهتُ أن آذَن لَهم أن يوقِدوا نارًا فيَرى عَدُوُّهم قِلَّتَهم، أي: أنَّهم إذا أوقدوا النَّارَ فستَكونُ النَّارُ قَليلةً؛ لأنَّ عَدَدَهم قَليلٌ، فإذا رَأى العَدوُّ قِلَّةَ النَّارِ عَرَف أنَّ العَدَدَ قَليلٌ، وكَرِهتُ أن يَتبَعوهم فيَكونَ لَهم، أي: للرُّومِ، مَدَدٌ، أي: مِنَ الرِّجالِ والمُقاتِلينَ، فيَعطِفوا عليهم، أي: يَرجِعوا على المُسلمينَ فيَقتُلوهم.

وهذا مِن حُنكَتِه ودَهائِه ومَعرِفتِه بالقِتالِ والحُروبِ رَضيَ اللهُ عنه؛ فحَمِدَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَه، أي: أقَرَّه على ذلك الفِعلِ وأثنى عليه، ثُمَّ إنَّ عَمرًا قال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَبُّ النَّاسِ إليك؟ وقد كان عَمرًا يَظُنُّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سيَقولُ له: أنتَ.

وقد جاءَ في رِوايةٍ بَيانُ سَبَبِ ظَنِّه ذلك، يَقولُ عَمرٌو: فحَدَّثتُ نَفسي أنَّه لَم يَبعَثْني على قَومٍ فيهم أبو بَكرٍ وعُمَرُ إلَّا لمَنزِلةٍ لي عِندَه، فأتَيتُه حَتَّى قَعَدتُ بَينَ يَدَيه، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَبُّ النَّاسِ إليك؟ فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لمَ؟ فقال عَمرٌو: لأحِبَّ مَن تُحِبُّ.

فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عائِشةُ.

فقال عَمرٌو: منَ الرِّجالِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أبو بَكرٍ.

وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّه قال: ثُمَّ مَن؟ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ.

قال عَمرُو بنُ العاصِ: فعَدَّ رِجالًا، فسَكَتُّ مَخافةَ أن يَجعَلَني في آخِرِهم.

وفي الحَديثِ فَضلُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه مَكانةُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه عِندَ الصَّحابةِ.

وفيه دَهاءُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه ومَعرِفتُه بالقِتالِ.

وفيه انتِصارُ المُسلمينَ في غَزوةِ ذاتِ السَّلاسِلِ.

وفيه فضلُ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها ومَكانتُها مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه فَضلُ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه ومَكانتُه مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

الأصول والأحكام

صحيح ابن حبان (10/ 404) 4540 - أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا الحسن بن حماد الحضرمي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا نارا، فمنعهم، فكلموا أبا بكر، فكلمه في ذلك، فقال: لا يوقد أحد منهم نارا إلا قذفته فيها، قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم، فمنعهم، فلما انصرف ذلك الجيش ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم، وشكوه إليه، فقال: يا رسول الله، إني كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، فقال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: لم؟ قال: لأحب من تحب، قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر

تاريخ دمشق لابن عساكر (2/ 27) أخبرتنا أم المجتبى فاطمة بنت ناصر العلوية قالت قرئ على أبي القاسم إبراهيم بن منصور السلمي أنا محمد بن إبراهيم المقرئ أنا أحمد بن علي بن المثنى نا الحسن بن حماد الحضرمي سجادة نا يحيى بن سعيد الأموي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعثه في ذات السلاسل فسأله أصحابه أن يأذن لهم أن يوقدوا نارا ليلا فمنعهم فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك فأباه فقال قد ارسلوك إلي لا يوقد أحد منهم نارا إلا ألقيته فيها قال فلقوا العدو فهزموهم فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم فلما انصرف ذلك الجيش ذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) وشكوه إليه فقال يا رسول الله إني كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم فأحمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمره فقال يا رسول الله من أحب الناس إليك قال لم قال لأحب من تحب قال عائشة قال من الرجال قال أبو بكر

الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2/ 103) 804 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، نا أبي، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات السلاسل منع الناس أن يوقدوا بليل نارا، فكلموا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: كلمه لنا، فأتاه فقال: زملوك إلي لا يوقد أحد منهم نارا إلا ألقيه فيها، ثم لقي العدو فهزمهم، ولم يدعهم يطلبون العدو، فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه بالخبر، وشكوا إليه، فقال: كانوا قليلا، فكرهت أن يوقدوا فيستبين للعدو قلتهم، وكرهت أن يتبعوا العدو، وخفت أن يكون لهم مادة فيعطفوا على الناس ، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فقال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: لم؟ ، قال: لأحب من تحب، قال: عائشة ، قال: ليس عن النساء أسألك، قال: فأبو بكر رضي الله عنه

أحاديث ذات صلة