لتُنتَقَوُنَّ كما يُنتَقى التَّمرُ من أغفالِهِ فلَيذهَبنَّ خيارُكُم وليَبقينَّ شرارُكُم
أخرجه ابن ماجه (4038) واللفظ له، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4676)، والحاكم (8337) باختلاف يسير
كان النَّاسُ في جاهليَّةٍ وشَرٍّ، فجاءَ اللهُ بهذا الدِّينِ العَظيمِ، فحَصَلَ به الخَيرُ وارتَفعَ الجَهلُ وانتَشَرَ الخَيرُ، ولَكِن قد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ مِن عَلاماتِ السَّاعةِ أنَّه سيَكونُ بَعدَه زَمانٌ يَكثُرُ فيه الشَّرُّ ويَقِلُّ فيه الخَيرُ، وذلك أيَّامَ الفِتَنِ، وأنَّ الصَّالحينَ يَذهَبونَ الأوَّلُ فالأوَّلُ، ولا يَبقى إلَّا شِرارُ النَّاسِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لتُنتَقَوُنَّ، أي: لتُختارُنَّ وتُنَظَّفونَ وتُصَفَّونَ مِن أردَأِ النَّاسِ وأسافِلِهم، كما يُنتَقى، أي: كما يُنَظَّفُ ويُصَفَّى، التَّمرُ مِن أغفالِه، أي: مِن أردَئِه ومِمَّا لا خَيرَ فيه، والمَعنى: لتُصَفُنَّ وتُنَظَّفُنَّ كما يُنَظَّفُ التَّمرُ الجَيِّدُ مِنَ الرَّديءِ، فليَذهَبنَّ، أي: مِنَ الدُّنيا، خيارُكُم، أي: أتقياؤُكُم بالمَوتِ، وليَبقَينَّ، أي: في الدُّنيا، شِرارُكُم، أي: أخِسَّاؤكم وأراذِلُكم، وذلك أنَّه تعالى يَصونُ الأخيارَ عَن مُجاورةِ الأشرارِ؛ ولهذا جاءَ في بَقيَّةِ الحَديثِ أنَّه قال: فموتوا إنِ استَطَعتُم، أي: فإذا كان كذلك فإن كان المَوتُ باستِطاعَتِكُم فموتوا لتَكونوا مِنَ الأخيارِ، أوِ ابذُلوا أنفُسَكُم في الجِهادِ لأعداءِ الدِّينِ؛ لتَفوزوا بلقاءِ اللهِ إنِ استَطَعتُم ووجَدتُم سَبيلًا إلى مَوتٍ لا إثمَ فيه؛ فإنَّه لا خَيرَ في حَياةٍ في جِوارِ الأشرارِ.
وفي الحَديثِ أنَّ الأخيارَ يَقِلُّونَ ويَكثُرُ الأشرارُ.
وفيه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد وقَعَ ما أخبَرَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .