سمِعتُ عُمَرَ بالجابِيةِ، واعتذَرَ مِن عَزلِ خالدٍ، قال: وأمَّرتُ أبا عُبَيدةَ.
فقال أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ: واللهِ ما أعذَرتَ؛ نزَعتَ عامِلًا استعمَلَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ووَضَعتَ لِواءً رفَعَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
قال: إنَّكَ قَريبُ القَرابةِ، حَديثُ السِّنِّ، مُغضَبٌ في ابنِ عَمِّكَ.
أخرجه ابن عساكر (16/ 263) واللفظ له، وأحمد (15905)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8225) مطولا.
لمَّا تُوفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَولَّى الخِلافةَ بَعدَه أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، وكان مِنَ الأعمالِ العَظيمةِ التي فعَلَها الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه أن بَعثَ الجُيوشَ للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، سَواءٌ في قِتالِ المُرتَدِّينَ أو في الفُتوحاتِ للشَّامِ، ومِمَّن سَيَّرَه أبو بَكرٍ إلى الشَّامِ الصَّحابيُّ الجَليلُ خالدُ بنُ الوليدِ واستَخلَفه على الشَّامِ إلى أن عَزلَه عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه، وأمَّرَ بَدَله أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عنه، وقدِ اعتَذَرَ عُمَرُ مِن عَزلِ خالدٍ؛ فقد خَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه بالجابيةِ، وهيَ مَوضِعٌ بدِمَشقَ، وتُعرَفُ الآنَ بتَلِّ الجابيةِ، قَريبةٌ مِنَ الجَولانِ، واعتَذَرَ مِن عَزلِ خالدٍ، فقال: وأمَّرتُ أبا عُبَيدةَ أي: جَعَلتُه أميرًا، وهو عامِرُ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عنه.
فقال أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ، وهو صَحابيٌّ، أحَدُ أقارِبِ خالِدٍ: واللهِ ما أعذَرتَ، أي: ليس لَك عُذرٌ في عَزلِه، وفي رِوايةٍ: ما عَدَلتَ! فقد نَزَعتَ عامِلًا، أي: واليًا، استَعمَلَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ووضَعتَ، أي: خَفَضتَ، لواءً رَفعَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
يَقصِدُ باللِّواءِ خالِدَ بنَ الوليدِ، وفي رِوايةٍ: وغَمَدتَ سَيفًا سَلَّه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقال له عُمَرُ: إنَّك قَريبُ القَرابةِ، أي: هو أحَدُ أقارِبك وابنُ عَمِّك، حَديثُ السِّنِّ، أي: صَغيرُ السِّنِّ قَليلُ الخِبرةِ، مُغضَبٌ في ابنِ عَمِّك، أي: غَضِبتَ عليَّ لكَونِه ابنَ عَمِّك.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ عَزلِ الخَليفةِ لأحَدِ وُلاتِه.
وفيه تَبيينُ الخَليفةِ أسبابَ عَزلِ الوُلاةِ والقادةِ حَتَّى لا يَقَعَ في نُفوسِهم ونُفوسِ الرَّعيَّةِ شَيءٌ .