دَخَلتُ على عائشةَ، فسأَلتُها: بِمَ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَفتتِحُ إذا هبَّ من اللَّيلِ؟ فقالت: لقد سأَلتَني عن شَيءٍ ما سأَلَني عنه أحَدٌ قَبلَك، كان إذا هبَّ من اللَّيلِ كبَّرَ عَشرًا، وحَمِدَ اللهَ عَشرًا، وقال: سُبحانَ اللهِ وبحَمدِه عَشرًا، وقال: سُبحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ عَشرًا، واستَغْفَرَ عَشرًا، وهلَّلَ عَشرًا، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من ضِيقِ الدُّنيا، وضِيقِ يومِ القيامةِ، عَشرًا، ثُمَّ يَفتتِحُ الصَّلاةَ.

الدلالات الموضوعية:# استعاذة - التعوذات النبوية# أدعية وأذكار - فضل التحميد والتسبيح والدعاء# تراويح وتهجد وقيام ليل - الحث على صلاة الليل# تراويح وتهجد وقيام ليل - قيام النبي صلى الله عليه وسلم# أدعية وأذكار - الدعاء عند الفزع من النوم
المصدر: تخريج سنن أبي داود
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (5085) واللفظ له، البخاري في ((التاريخ الكبير)) (1/ 457) باختلاف يسير، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10641) بنحوه.

الشرح والتوضيح

إنَّ مِن صِفاتِ عِبادِ اللهِ تَعالى التي أثنى اللَّهُ بها عليهم قيامَ اللَّيلِ، فقال تَعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] ، وقال أيضًا: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18]، وحَثَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه على قيامِ اللَّيلِ، فقال: عليكُم بقيامِ اللَّيلِ؛ فإنَّه دَأبُ الصَّالحينَ قَبلكُم.

وكان الصَّحابةُ يَحرِصونَ على مَعرِفةِ كَيفيَّةِ صَلاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في اللَّيلِ، وماذا يَقرَأُ في قيامِه وبماذا يَفتَتِحُ قيامَه، وفي هذا الحَديثِ تُبَيِّنُ عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها جانبًا مِن جَوانِبِ صَلاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في اللَّيلِ؛ فقد سَألَها شريقٌ الهَوزنيُّ وهو أحَدُ التَّابِعينَ، بمَ -أي: بأيِّ شَيءٍ- كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَفتَتِحُ، أي: يَبتَدِئُ، مِنَ الأذكارِ، إذا هَبَّ، أي: استَيقَظَ، مَن نَومِه مِنَ اللَّيل؟ فقالت له: لَقد سَألتَني عن شَيءٍ ما سَألَني عنه أحَدٌ قَبلَك.

وفي هذا تَحسينٌ لسُؤالِه، وتَزيينٌ لمَقالِه، وتَأسُّفٌ على غَفلةِ النَّاسِ.

كان إذا هَبَّ، أي: قامَ، مِنَ اللَّيلِ، كَبَّرَ عَشرًا، أي: قال: اللَّهُ أكبَرُ، عَشرَ مَرَّاتٍ، وبَدَأ بوصفِ الكِبرياءِ والعَظَمةِ، المُتَضَمِّنِ لسائِرِ النُّعوتِ المُكَرَّمةِ، فهو أكبَرُ مِن كُلِّ كَبيرٍ، ولا يتعاظَمُه شَيءٌ سُبحانَه، ولأنَّه إذا كان كُلُّ الفضلِ والإفضالِ للَّهِ ومِنَ اللهِ، وليس مِن غَيرِه، فلا يَكونُ أحَدٌ أكبَرَ مِنه، وحَمِدَ اللَّهَ عَشرًا، أي: قال: الحَمدُ للَّهِ، عَشرَ مَرَّاتٍ؛ فالحَمدُ الكامِلُ كُلُّه للَّهِ تَعالى، وهو يَتَضَمَّنُ إثباتَ جَميعِ أنواعِ الكَمالِ للَّهِ؛ فهو الذي يُحمَدُ سُبحانَه على كُلِّ حالٍ.

وقال: سُبحانَ اللَّهِ وبحَمدِه عَشرَ مَرَّاتٍ، وسُبحانَ اللَّهِ: هو تَنزيهُ اللَّهِ تَعالى عن جَميعِ النَّقائِصِ والعُيوبِ.

وقال: سُبحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ عَشرَ مَرَّاتٍ.

والقُدُّوسُ: المُنَزَّهُ عن كُلِّ عَيبٍ، واستَغفَر عَشرَ مَرَّاتٍ، أي: قال: أستَغفِرُ اللَّهَ، اعتِرافًا بالتَّقصيرِ، فاللَّهُ وَحدَه هو الذي يَغفِرُ الذُّنوبَ، وهَلَّلَ عَشرًا، أي: قال: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَشرَ مَرَّاتٍ.

ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ: هيَ كَلِمةُ التَّوحيدِ نَفيُ جَميعِ ما يُعبَدُ مِنَ الآلهةِ، وإثباتُ العُبوديَّةِ للَّهِ تَعالى وحدَه.

ثُمَّ قال: اللهُمَّ إنِّي أعوذُ، أي: أعتَصِمُ وألتَجئُ بك مِن ضيقِ الدُّنيا، أي: مَكارِه الدُّنيا وشَدائِدِها، مِن مَرَضٍ ودَينٍ وظُلمٍ ونَحوِ ذلك، وضِيقِ يَومِ القيامةِ، أي: شَدائِدِ أحوالِها وسَكَراتِ أهوالِها، عَشرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَفتَتِحُ الصَّلاةَ، أي: صَلاةَ التَّهَجُّدِ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ السُّؤالِ عن أحوالِ صَلاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ كَيفيَّةِ افتِتاحِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لقيامِ اللَّيلِ.

وفيه مَشروعيَّةُ افتِتاحِ قيامِ اللَّيلِ بهذا الدُّعاءِ.

وفيه الثَّناءُ على السَّائِلِ إذا سَألَ سؤالًا قَلَّ مَن يَتَنَبَّهُ له.

وفيه الاستِعاذةُ باللهِ تَعالى مِن ضيقِ الدُّنيا وضِيقِ يَومِ القيامةِ .

أحاديث ذات صلة