أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ ركِبَ بِرْذَوْنًا فجعلَ يتبَختَرُ بهِ فجعلَ يضربُهُ فلا يزدادُ إلَّا تبَختُرًا فنزلَ عنهُ وقال ما حملتموني إلَّا على شيطانٍ ما نزلتُ عنهُ حتَّى أنكرتُ نفسِي
الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه ثاني الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وسيرَتُه وحَياتُه مَليئةٌ بالدُّروسِ والعِبَرِ، ومِن ذلك تَواضُعُه رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد جاءَ أنَّه رَكِبَ بِرذَونًا، وهو التُّركيُّ مِنَ الخَيلِ، فجَعَلَ، أي: البِرذَونُ، يَتَبَختَرُ بعُمَرَ.
والتَّبَختُرُ: مِشيةُ المُختالِ المُتَكَبِّرِ المُعجَبِ بنَفسِه، فجَعَلَ عُمَرُ يَضرِبُه، أي: حَتَّى يَترُكَ التَّبَختُرَ، فلا يَزدادُ البِرذَونُ إلَّا تَبَختُرًا! فنَزَلَ عنه عُمَرُ وقال لمَن مَعَه: ما حَمَلتُموني -أي: أركَبتُموني- إلَّا على شَيطانٍ! قَصَدَ به أنَّه مُتَمَرِّدٌ؛ فالشَّيطانُ في كَلامِ العَرَبِ: كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ والإنسِ والدَّوابِّ وكُلِّ شَيءٍ، وإنَّما سُمِّي المُتَمَرِّدُ مِن كُلِّ شَيءٍ شَيطانًا؛ لمُفارَقةِ أخلاقِه وأفعالِه أخلاقَ سائِرِ جِنسِه وأفعالَهم، وبُعدِه مِنَ الخَيرِ، ما نَزَلتُ عنه حَتَّى أنكَرتُ نَفسي، أي: رَأيتُ في نَفسي تغَيُّرًا عَمَّا كُنتُ عليه مِنَ السَّمتِ والتَّواضُعِ؛ وذلك بسَبَبِ تَبَختُرِ البِرذَونِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ رُكوبِ البِرذَونِ.
وفيه ما كان عليه عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه مِنَ التَّواضُعِ.
وفيه الحِرصُ على البُعدِ عن كُلِّ ما يَجلبُ التَّكَبُّرَ ويُفسِدُ القُلوبَ .