كان ابنُ عمرَ رضيَّ اللهُ عنهما أنَّه رأى رجلًا في الطوافِ يحملُ أمَّه وهو يقولُ إنِّي لها مطيَّةٌ لا تذعرُ إذا الركابُ نفرتْ لا تَنْفرْ ما حملتْني وأرضعتْني أكثر اللهُ ربِّي ذو الجلالِ الأكبرِ تظنني جازيتُها يا ابنَ عمرَ قال لا ولا زفرةً واحدةً
أخرجه الحسين بن حرب في ((البر والصلة)) (37)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (11)، والفاكهي في ((أخبار مكة)) (642)، بنحوه.
إنَّ مِنَ الأعمالِ الفاضِلةِ العَظيمةِ برَّ الوالدَينِ والإحسانَ إلَيهما؛ فقد وصَّى اللَّهُ تَعالى بالوالدَينِ وقَرَنَ ذلك بعِبادَتِه في آياتٍ كَثيرةٍ في القُرآنِ؛ قال تَعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] ، وأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بجَزيلِ الأجرِ والثَّوابِ على برِّ الوالدَينِ؛ وذلك لِما قامَ به الوالدانِ مِنَ العِنايةِ والرِّعايةِ بأبنائِهم، ولِما تَحمَّلاه مِنَ المَشاقِّ في سَبيلِ تَربيَتِهم، لا سيَّما الأُمِّ؛ فالبرُّ بها آكَدُ، ومَهما عَمِلَ الشَّخصُ في الإحسانِ إلى والدَيه فلَن يوفِّيَهما حَقَّهما، وقد رَأى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما رجلًا في أثناءِ الطَّوافِ بالبَيتِ، وهو يَحمِلُ أُمَّه، وهو يَقولُ: إنِّي لَها مَطيَّةٌ -وهيَ النَّاقةُ التي يُركَبُ مَطاها، أي: ظَهرُها- لا تُذعَرُ، أي: لا تَخافُ ولا تَفزَعُ، إذا الرُّكَّابُ أي: الإبلُ التي يُسارُ عليها نَفرَت -أي: فرَّت وذَهَبَت- لا تَنفِرُ، ما حَمَلَتني وأرضَعَتني أكثَر، أي: أنَّ ما عَمِلَته أُمِّي مَعي أكثَرُ، اللَّهُ رَبِّي ذو الجَلالِ الأكبَر.
ثُمَّ قال الرَّجُلُ: تَظُنُّني جازَيتُها يا ابنَ عُمَرَ؟ أي: هَل تَرى أنِّي قد كافأتُها ووفَّيتُها حَقَّها؟ فقال ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: لا، ولا زَفرةً واحِدةً.
والزَّفرةُ: مِنَ الزَّفيرِ، وهو تَرَدُّدُ النَّفَسِ حَتَّى تَختَلِفَ الأضلاعُ، وهذا يَعرِضُ للمَرأةِ عِندَ الوضعِ، وهو كِنايةٌ عَمَّا عانَته الأُمُّ أثناءَ الوِلادةِ مِنَ الشِّدَّةِ والتَّعَبِ، وأنَّ الإنسانَ مَهما يَفعَلْ تِجاهَ أُمِّه فلَن يوفِّيَها حَقَّها.
وفي الحَديثِ عَظيمُ حَقِّ الوالدَينِ.
وفيه الحَثُّ على الإحسانِ للوالدَينِ.
البر والصلة للحسين بن حرب (ص: 19) 37 - حدثنا الحسين قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: كان ابن عمر يطوف بالبيت فرأى رجلا يطوف حاملا أمه وهو يقول:
إني لها بعيرها المذلل
إن أذعرت ركابها لم أذعر
أحملها وما حملتني أكثر أتراني يا ابن عمر جزيتها؟ قال: لا ولا زفرة واحدة ، ثم طاف، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: " ألا إن كل ركعتين تكفر ما بينهما - أو قال -: ما قبلهما - أو كلمة نحوها - ".
الأدب المفرد مخرجا (ص: 18) 11 - حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا سعيد بن أبي بردة قال: سمعت أبي يحدث، أنه شهد ابن عمر ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره، يقول:
إني لها بعيرها المذلل ...
إن أذعرت ركابها لم أذعر.
ثم قال: يا ابن عمر أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة.
أخبار مكة للفاكهي (1/ 312) 642 - حدثنا حسين بن حسن قال: أنا ابن المبارك قال: أنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: " كان ابن عمر رضي الله عنهما يطوف بالبيت فرأى رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه وهو يقول:
إني لها بعيرها المذلل
إن ذعرت ركابها لم أذعر
أحملها ما حملتني أكثر
أو قال: أطول.
أتراني يا ابن عمر جزيتها؟ قال: " لا ولا زفرة واحدة ".