قال أعرابيٌّ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أوْصِني فقال : عليك بتقوَى اللهِ وإن امرؤٌ عيَّرك بشيءٍ يعلمُه فيك فلا تُعيِّرْه بشيءٍ تعلُمُه فيه , يكُنْ وبالُه عليه وأجرُه لك ولا تسُبَّنَّ شيئًا قال فما سببتُ شيئًا بعده .
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (1182)، والطيالسي في ((المسند)) (1304)، وابن حبان (521) باختلاف يسير
مِمَّا حَثَّت عليه الشَّريعةُ حِفظُ اللِّسانِ؛ فمَن كان متكَلِّمًا فلا يَتَكَلَّمْ إلَّا بخَيرٍ، ويَجتَنِبُ كُلَّ قَولٍ باطِلٍ مِن سَبٍّ أو غِيبةٍ أو إساءةٍ لأحَدٍ، وبهذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يوصي مَن يَطلُبُ مِنه النَّصيحةَ؛ فقد جاءَ أعرابيٌّ -وهو مَن يَسكُنُ الباديةَ، واسمُه جابِرُ بنُ سُلَيمٍ أبو جُرَيٍّ الهُجَيميُّ- لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: يا رَسولَ اللهِ، أوصِني؟ فقال رَسولُ اللهِ: عليك بتَقوى اللهِ، وهذه وصيَّةٌ عَظيمةٌ، ومَعناها: أن يَجعَلَ العَبدُ بَينَه وبَينَ مَحارِمِ اللهِ وِقايةً وسَترًا فلا يَقَعُ فيها، وكثيرًا ما كان النَّبيُّ يوصي أصحابَه بهذه الوصيَّةِ، ثُمَّ قال له: وإنِ امرُؤٌ عيَّرَك، أي: وبَّخَك ولامَك، بشَيءٍ يَعلَمُه فيك، أي: مِنَ الذَّنبِ أوِ الأفعالِ القَبيحةِ، فلا تُعَيِّرْه -أي: توبِّخْه وتَلُمْه- بشَيءٍ تَعلَمُه فيه؛ وذلك حَتَّى يَكونَ وبالُه، أي: إثمُ وعاقِبةُ التَّعييرِ عليه، والوَبالُ هو سوءُ العاقِبةِ، وأجرُه لَك، أي: ثَوابُه لَك بتَركِك لحَقِّك وعَدَمِ انتِصارِك لنَفسِك، وكُفَّ عن مُقابَلَتِه بما يَستَحِقُّه مِن إذاعةِ نَقائِصِه ومواجَهَتِه بها، واحتَمِلْ أذاه، ثُمَّ قال له: ولا تَسُبَّنَّ شيئًا، أي: لا تَشتُمْ، وهذا عامٌّ يَشمَلُ عَدَمَ سَبِّ النَّاسِ أوِ الحَيَواناتِ أو غَيرِها؛ ولهذا جاءَ في رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال -أي الصَّحابيُّ-: فما سَبَبتُ أحَدًا حُرًّا ولا عَبدًا، شاةً ولا بَعيرًا، فيَصيرُ الإنسانُ بذلك حافظًا للِسانِه، يَقولُ الأعرابيُّ: فما سَبَبتُ شَيئًا بَعدَه؛ امتثالًا لِما أرشَدَه إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ طَلَبِ الوصيَّةِ.
وفيه عِظَمُ الوصيَّةِ بتَقوى اللهِ تعالى.
وفيه خُطورةُ تَعييرِ الآخَرينَ.
وفيه خُطورةُ السَّبِّ .
[الأدب المفرد- ت عبد الباقي] (ص403) 1182- حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثني قرة بن موسى الهجيمي، عن سليم بن جابر الهجيمي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة، وإن هدابها لعلى قدميه، فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: ((عليك باتقاء الله، ولا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ للمستسقي من دلوك في إنائه، أو تكلم أخاك ووجهك منبسط، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، ولا يحبها الله، وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه منك فلا تعيره بشيء تعلمه منه، دعه يكون وباله عليه، وأجره لك، ولا تسبن شيئا))، قال: فما سببت بعد دابة ولا إنسانا.
[مسند أبي داود الطيالسي] (2/ 533) 1304- حدثنا يونس، حدثنا أبو داود، قال: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا قرة بن موسى، عن جابر بن سليم الهجيمي ، قال: ((انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة له كأني أنظر إلى هدابها على قدميه، فقلت: يا رسول الله، أوصني! قال: اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة ولا يحبها الله، وإن امرؤ شتمك وعيرك بأمر هو فيك فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعه يكون وباله عليه وأجره لك، ولا تسبن شيئا.
قال: فما سببت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دابة ولا إنسانا)).
صحيح ابن حبان (2/ 279) 521- أخبرنا بكر بن أحمد بن سعيد الطاحي العابد بالبصرة حدثنا نصر بن علي بن نصر أخبرنا أبي عن شعبة عن قرة بن خالد عن قرة بن موسى الهجيمي
[عن سليم بن جابر الهجيمي ] قال انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة له وإن هدبها لعلى قدميه فقلت يا رسول الله أوصني قال ((عليك باتقاء الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي وتكلم أخاك ووجهك إليه منبسط وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ولا يحبها الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه منه دعه يكون وباله عليه وأجره لك ولا تسبن شيئا قال فما سببت بعده دابة ولا إنسانا)).
قال أبو حاتم رضى الله تعالى عنه قوله صلى الله عليه وسلم ((عليك باتقاء الله)) أمر فرض على المخاطبين كلهم أن يتقوا الله في كل الأحوال وإفراغ المرء الدلو في إناء المستسقي من إنائه وبسطه وجهه عند مكالمة أخيه المسلم فعلان قصد بالأمر بهما الندب والإرشاد قصدا لطلب الثواب.