قدِم عمرُ مكَّةَ ، فدخل دارَ النَّدوةِ يومَ الجمعةِ ، فألقَى رداءَه على واقفٍ في البيتِ ، فوقع عليه طيرٌ فخشي أن يسْلَحَ عليه ، فأطاره فوقع عليه فانتهزته حيَّةٌ فقتلته ، فلمَّا صلَّى الجمعةَ دخلتُ عليه ، أنا وعثمانُ ، فقال : احكُما عليَّ في شيءٍ صنعتُه اليومَ ، فذكر لنا الخبرَ ، قال : فقلتُ لعثمانَ : وكيف ترَى في عنزٍ ثنيَّةٍ عَفْراءَ ؟ قال : أرَى ذلك ، فأمر بها عمرُ
أخرجه الشافعي في ((الأم)) (2/ 214)، والبيهقي (10097) كلاهما مطولا بلفظه .
خَصَّ اللهُ تعالى بَعضَ البُلدانِ بخَصائِصَ ليست لغَيرِها، ومِن أعظَمِ تلك البُلدانِ مَكَّةُ؛ فهيَ قِبلةُ المُسلمينَ ومَهوى أفئِدَتِهم، وقد خَصَّ اللهُ تعالى مَكَّةَ بخَصائِصَ كَثيرةٍ، ومِن تلك الخَصائِصِ حُرمةُ الصَّيدِ فيها؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ، فجَعَلَ سُبحانَه جَزاءَ مَن قَتلَ صيدًا مِن صَيدِ الحَرَمِ فِديةً تُعادِلُ ذلك الصَّيدَ؛ ولهذا لما قدِمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه مَكَّةَ دَخَلَ دارَ النَّدوةِ -وهيَ كانت قديمًا في الجاهليَّةِ مُجتَمَعًا لقُرَيشٍ يَتَشاورونَ فيها- يَومَ الجُمعةِ، وأرادَ بذلك أن يَقرُبَ إلى المَسجِدِ الحَرامِ، فألقى رِداءَه على واقِفٍ -وهو عِبارةٌ عن جِدارٍ أو خَشَبةٍ كانت هناكَ في البَيتِ- فوقَعَ على رِدائِه طَيرٌ مِنَ الحَمامِ، كما في الرِّوايةِ الأُخرى، فخَشيَ أن يَسلَحَ الطَّيرُ على الرِّداءِ -والسَّلحُ للطَّائِرِ كالغائِطِ للإنسانِ، وقيلَ: هو خاصٌّ بما رَقَّ مِنه- فأطارَه -أي: طَرَدَه وأبعَدَه- فوقَعَ عليه، أي: وقَعَ الطَّيرُ على الواقِفِ الآخَرِ، كما جاءَ ذلك مبيَّنًا في الرِّوايةِ الأُخرى، فانتَهَزَته، أي: اغتَنَمَته حَيَّةٌ فقَتَلَته، فنَدِمَ عُمَرُ على ذلك؛ فقد جاءَ في الرِّوايةِ الأُخرى: فوجَدتُ في نَفسي أنِّي أطَرتُه مِن مَنزِلٍ كان فيه آمِنًا إلى مَوقِعةٍ كان فيها حَتفُه، أي: هَلاكُه، فلَمَّا صَلَّى عُمَرُ الجُمُعةَ دَخَلَ عليه نافِعُ بنُ عَبدِ الحارِثِ الخُزاعيُّ، وهو مِمَّن يُعَدُّ له صُحبةٌ، وكان عامِلَ عُمَرَ على مَكَّةَ، وعُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال عُمَرُ لَهما: احكُما عليَّ في شَيءٍ صَنعتُه اليَومَ، وذَكَر لَهما عُمَرُ خَبَرَ الطَّيرِ، فقال نافِعُ بنُ عَبدِ الحارِثِ لعُثمانَ: كيف تَرى في عَنزٍ ثَنيَّةٍ عَفراءَ؟ والثَّنيَّةُ مِنَ الغَنَمِ: هيَ التي دَخَلَت في السَّنةِ الثَّالثةِ، وفي قَولٍ: التي دَخَلَت في الثَّانيةِ، والعَفراءُ: البَيضاءُ التي يَعلو بَياضَها حُمرةٌ، أي: هَل نَحكُمُ عليه بذلك؟ وكَأنَّ الحَمامةَ التي هَلَكَت كانت كذلك، فرُوعيَ مُشابَهةُ اللَّونِ، فقال عُثمانُ: أرى ذلك.
فأمرَ بها عَمَرُ، أي: أمَرَ بعَنزٍ ثَنيَّةٍ كَفَّارةً لذلك الصَّيدِ.
وفي المَسألةِ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما يَكونُ به جَزاءُ قَتلِ الطَّيرِ في الحَرَمِ.
وفيه بَيانُ أنَّ جَزاءَ قَتلِ الصَّيدِ إذا لَم يَكُنْ فيه نَصٌّ لا بُدَّ مِن حُكمِ عَدلَينِ .
الأم للإمام الشافعي (2/ 214 ط الفكر) :
أخبرنا سعيد بن سالم عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عبد الله بن كثير الداري عن طلحة بن أبي حفصة عن نافع بن عبد الحارث قال: قدم عمر بن الخطاب مكة فدخل دار الندوة في يوم الجمعة وأراد أن يستقرب منها الرواح إلى المسجد فألقى رداءه على واقف في البيت فوقع عليه طير من هذا الحمام فأطاره فانتهزته حية فقتلته فلما صلى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان بن عفان فقال احكما علي في شيء صنعته اليوم، إني دخلت هذه الدار وأردت أن أستقرب منها الرواح إلى المسجد فألقيت ردائي على هذا الواقف فوقع عليه طير من هذا الحمام فخشيت أن يلطخه بسلحه فأطرته عنه فوقع على هذا الواقف الآخر فانتهزته حية فقتلته فوجدت في نفسي أني أطرته من منزلة كان فيها آمنا إلى موقعة كان فيها حتفه فقلت: لعثمان كيف ترى في عنز ثنية عفراء نحكم بها على أمير المؤمنين؟ قال إني أرى ذلك فأمر بها عمر.
السنن الكبير للبيهقي (10/ 368 ت التركي) :
10097 - أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عبد الله بن كثير الداري، عن طلحة بن أبي خصفة، عن نافع بن عبد الحارث قال: قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة، فدخل دار الندوة في يوم الجمعة وأراد أن يستقرب منها الرواح إلى المسجد، فألقى رداءه على واقف في البيت، فوقع عليه طير من هذا الحمام فأطاره، فوقع عليه فانتهزته حية فقتلته، فلما صلى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان بن عفان فقال: احكما علي في شئ صنعته اليوم، إني دخلت هذه الدار وأردت أن أستقرب منها الرواح إلى المسجد، فألقيت ردائى على هذا الواقف، فوقع عليه طير من هذا الحمام فخشيت أن يلطخه بسلحه فأطرته عنه، فوقع على هذا الواقف الآخر فانتهزته حية فقتلته، فوجدت في نفسى أنى أطرته من منزلة كان فيها آمنا إلى موقعة كان فيها حتفه.
فقلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: كيف ترى في عنز ثنية عفراء نحكم بها على أمير المؤمنين؟ قال: أرى ذلك.
فأمر بها عمر رضي الله عنه .