عن مجاهدٍ قال : كنتُ نازلًا على عبدِ اللهِ بنِ عمرَ في سفَرٍ ، فلما كان ذاتَ ليلةٍ قال لغلامِه : انظرْ طلعتِ الحمراءُ ؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا ولا حياها اللهُ ، هي صاحبةُ الملكينِ ، قالت الملائكةُ : ربِّ كيفَ تدعُ عصاةَ بنِي آدمَ وهم يسفكون الدمَ الحرامَ ، وينتهكون محارمَك ، ويُفسدون في الأرضِ ؟ فقال : إني قد ابتليتُهم ، فلعلِّي إن ابتليتُكم بمثلِ الذي ابتليتُهم به فعلتم كالذي يفعلون ؟ قالوا : لا .
قال : فاختاروا من خيارِكم اثنينِ ، فاختاروا هاروتَ وماروتَ ، فقال لهما : إني مُهبِطُكما إلى الأرضِ ، وأعهدُ إليكما : أن لا تشرِكا بي شيئًا ، ولا تزنِيا ، ولا تخونا ، فأُهبِطا إلى الأرضِ ، وألقَى عليهما الشبقَ ، وأُهبِطت لهما الزهرةُ في أحسنِ صورةِ امرأةٍ ، فتعرَّضت لهما ، فأراداها عن نفسِها ، فقالت : إني على دينٍ لا يصلحُ لأحدٍ أن يأتِيَني إلا إن كان على مثلِه .
فقالا وما ذلك ؟ قالت : المجوسيةِ .
قالا : الشركُ هذا لا نقربُه .
فسكتت عنهما ما شاء اللهُ ، ثم تعرَّضت لهما ، فأراداها عن نفسِها ، فقالت : ما شئتما غيرَ أن لي زوجًا ، وأنا أكرهُ أن يطَّلِعَ على هذا منِّي فأُفتَضحَ ، فإن أقررتُما بدينِي ، وشرطتما لي أن تُصعِدَاني إلى السماءِ فعلت ، فأقراها وأتياها ، ثم صعدا بها ، فلما انتهيا بها اختُطِفَت منهما وقُطِّعَت أجنحتُهما ، فوقعها يبكيانِ ، وفي الأرض نبيٌّ يدعو بينَ الجمعتينِ ، فإذا كان يومَ الجمعةِ أجيبَ ، فقالا : لو أتينا فلانًا فسألناه أن يطلبَ لنا التوبةَ ، فأتياه ، فقال : رحِمكما اللهُ كيفَ يطلبُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السماءِ ؟ فقالا : إنا قد ابتُلينا .
قال : إئتياني ، فقال : اختاروا قد خُيِّرتُما ، إن أحببتما معاقبةَ الدنيا وأنتما في الآخرةِ على حكمِ اللهِ ، وإن أحببتما عذابَ الآخرةِ ، فقال أحدُهما : الدنيا لم يمضِ منها إلا قليلٌ ، وقال الآخرُ : ويحَك إني قد أطعتُك في الأمرِ فأطعْني الآنَ ، إن عذابًا يفنَى ليس كعذابٍ يبقَى ، فقال أما تخشَى أن يُعذِّبَنا في الآخرةِ ؟ فقال : لا إني لأرجو إن علِم اللهُ إنا قد اخترنا عذابَ الدنيا مخافةَ عذابِ الآخرةِ أن لا يجمعَهما علينا ، فاختاروا عذابَ الدنيا فجُعِلا في بَكَراتٍ من حديدٍ في قليبٍ مملوءةٍ من نارٍ؟عاليها وسافلَها
أخرجه ابن أبي حاتم (1007) واللفظ له
اللهُ تَعالى له الحِكمةُ البالغةُ فيما يُقدِّرُه ويَفعَلُه في خَلْقِه، لا يُسألُ عَمَّا يَفعَلُ، وهم يُسألونَ، وهو سُبحانَه يَبتَلي عِبادَه وخَلْقَه بما شاءَ لحِكَمٍ عَظيمةٍ؛ ولهذا لمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ اعتَرَضَ المَلائِكةُ بأنَّ بَني آدَمَ سيَسفِكونَ الدِّماءَ، فأَخبَرهمُ اللَّهُ بأنَّه يَعلَمُ ما لا يَعلَمونَ، ومِن ذلك ما جاءَ في قِصَّةِ المَلَكَينِ هاروتَ وماروتَ؛ فعَن مُجاهدِ بنِ جَبرٍ -وهو أحَدُ التَّابعينَ مِن عُلَماءِ التَّفسيرِ- قال: كُنتُ نازِلًا على عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ في سَفَرٍ، أي: كان مَعَ ابنِ عُمَرَ في السَّفرِ، فلَمَّا كان ذاتَ لَيلةٍ قال ابنُ عُمَرَ لغُلامِه: انظُرْ هَل طَلَعَتِ الحَمراءُ؟ أي: يَقصِدُ نَجمَ الزُّهَرةِ، لا مَرحَبًا بها ولا أهلًا ولا حَيَّاها اللَّهُ؛ وذلك لأنَّها صاحِبةُ المَلَكَينِ، أي: هاروتَ وماروتَ.
ثُمَّ ذَكرَ ابنُ عُمَرَ قِصَّتَهما.
فقال: قالتِ المَلائِكةُ: رَبِّ، كيف تَدَعُ عُصاةَ بَني آدَمَ وهم يَسفِكونَ الدَّمَ الحَرامَ، ويَنتَهِكونَ محارِمَك، ويُفسِدونَ في الأرضِ؟ فقال اللهُ تعالى: إنِّي قدِ ابتَلَيتُهم.
وذلك بأن رَكَّب اللَّهُ في بَني آدَمَ الشَّهوةَ للابتِلاءِ والاختِبارِ، وهيَ ليست في المَلائِكةِ، فلعَلِّي إنِ ابتَلَيتُكُم بمِثلِ الذي ابتَلَيتُهم به -أي: رَكَّبتُ فيكُمُ الشَّهوةَ- فعَلتُم كالذي يَفعَلونَ! فقالتِ المَلائِكةُ: لا! وكَأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الأمرَ يَسيرٌ، ولَم يَكونوا يَتَوقَّعونَ أن يَحصُلَ ما حَصَلَ.
فقال اللهُ لَهم: فاختاروا مِن خيارِكُم مِنَ المَلائِكةِ اثنَينِ، فاختاروا هاروتَ وماروتَ، وكانا مَن أصلَحِ المَلائِكةِ وأعبَدِهم، فقال اللهُ لَهما: إنِّي مُهبِطُكما إلى الأرضِ، وأعهَدُ إليكُما: أن لا تُشرِكا بي شَيئًا، ولا تَزنيا، ولا تَخونا، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وألقى عليهما الشَّبَقَ، أي: شِدَّةَ الشَّهوةِ، وأُهبِطَت لَهما الزُّهَرةُ، أي: النَّجمُ، في أحسَنِ صورةِ امرَأةٍ، فتَعَرَّضَت لهما، فأراداها عَن نَفسِها، أي: حَتَّى يَزنيا بها! فقالت: إنِّي على دينٍ لا يَصلُحُ لأحَدٍ أن يَأتيَني إلَّا إن كان على مِثلِه.
فقالا: وما ذلك؟ قالت: المَجوسيَّةُ! قالا: الشِّركُ! هذا لا نَقرَبُه.
فسَكَتَت عَنهما ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ تَعَرَّضَت لَهما، فأراداها عَن نَفسِها، فقالت: ما شِئتُما غَيرَ أنَّ لي زَوجًا، وأنا أكرَهُ أن يَطَّلِعَ على هذا مِنِّي فأفتَضِحَ، فإن أقرَرتُما بديني، وشَرَطتُما لي أن تُصعِداني إلى السَّماءِ فعَلتُ، فأقَرَّاها وأتَياها، أي: زَنَيا بها، ثُمَّ صَعِدا بها، فلَمَّا انتَهَيا بها اختُطِفَت مِنهما وقُطِعَت أجنِحَتُهما، فوقَعا يَبكيانِ خائِفينِ نادِمينِ، وفي الأرضِ نَبيٌّ يَدعو بَينَ الجُمعَتَينِ، قيلَ: هو نَبيُّ اللهِ إدريسُ عليه السَّلامُ، فإذا كان يَومُ الجُمعةِ أُجيبَ، فقالا: لَو أتَينا فلانًا فسَألناه أن يَطلُبَ لَنا التَّوبةَ، فأتَياه، فقال: رَحِمَكُما اللهُ! كَيف يَطلُبُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السَّماءِ؟! أي: كَيف يَدعو أهلُ الأرضِ لأهل السَّماءِ وهم مُنَزَّهونَ ومُطَهَّرونَ مِنَ الذُّنوب؟! فقالا: إنَّا قدِ ابتُلينا.
قال: ائتِياني، فقال لَهما النَّبيُّ: اختارا قد خُيِّرتُما، إن أحبَبتُما مُعاقَبةَ الدُّنيا وأنتُما في الآخِرةِ على حُكمِ اللهِ، وإن أحبَبتُما عَذابَ الآخِرةِ.
فقال أحَدُهما: الدُّنيا لَم يَمضِ مِنها إلَّا قَليلٌ، أي: إنِ اختَرْنا عَذابَ الدُّنيا فسَوف يَطولُ عَذابُنا؛ لأنَّ الدُّنيا لَم يَمضِ مِنها إلَّا القَليلُ والباقي مِنها كَثيرٌ، فقال الآخَرُ: ويحَكَ! وهيَ كَلمةُ زَجرٍ له، إنِّي قد أطَعتُك في الأمرِ، أي: أمرِ المَعصيةِ التي وقَعَت مِنهما، فأطِعْني الآنَ، إنَّ عَذابًا يَفنى، أي: يَنتَهي، ليس كَعَذابٍ يَبقى، وهو عَذابُ الآخِرةِ، ثُمَّ قال: أما تَخشى أن يُعَذِّبَنا في الآخِرةِ؟ فقال: لا، إنِّي لأرجو إن عَلِم اللهُ أنَّا قدِ اختَرنْا عَذابَ الدُّنيا مَخافةَ عَذابِ الآخِرةِ ألَّا يَجمَعَهما علينا، ثُمَّ إنَّهما اختارا عَذابَ الدُّنيا، فجُعِلا في بَكَراتٍ -جَمعُ بكَرةٍ، وهيَ التي يُستَقى عليها الماءُ مِن حَديدٍ- في قَليبٍ، وهيَ البئرُ التي لم تُطوَ، مَملوءةٍ مِن نارٍ عاليَها وسافِلَها، فهذا عَذابُهم في الدُّنيا.
وفي الحَديثِ ضَرورةُ التَّسليمِ لأمرِ اللهِ تَعالى.
وفيه أنَّ اللَّهَ له الحِكمةُ البالغةُ فيما يَفعَلُه سُبحانَه.
وفيه أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبتَلي عِبادَه بما يَشاءُ.
وفيه أنَّ عَذابَ الآخِرةِ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنيا.
وفيه عَدَمُ الاغتِرارِ بالأعمالِ الصَّالحةِ.
وفيه خُطورةُ فِتنةِ النِّساءِ على الرِّجالِ.
وفيه فضلُ أهلِ السَّماءِ على أهلِ الأرضِ.
وفيه خُطورةُ القَرينِ والصَّاحِبِ وتَأثيرُه على صاحِبِه .
تفسير ابن أبي حاتم - محققا (1/ 190) 1007 - حدثنا أبي ثنا عبد الله بن جعفر الرقي ثنا عبيد الله- يعني ابن عمر- عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب عن مجاهد.
قال: كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر فلما كان ذات ليلة قال لغلامه.
انظر طلعت الحمراء لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين- قالت الملائكة: رب كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟
قال: إني قد ابتليتهم فلعلي إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون قالوا: لا.
قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما إني مهبطكما إلى الأرض وعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا، ولا تخونا.
فأهبطا إلى الأرض، وألقى عليهما الشبق وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة فتعرضت لهما فأراداها عن نفسهما، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله.
قالا: وما دينك؟ قالت: المجوسية.
قالا: الشرك هذا شيء لا نقربه.
فمكثت عنهما ما شاء الله ثم تعرضت لهما، فأراداها عن نفسهما، فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجا وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح فطن أقررتما لي بديني وشرطما لي أن تصعدا إلى السماء فعلت.
فأقراها بدينها وأتياها فيما يريان ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتها فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعوا بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب.
فقالا: لو أتينا فلانا فسألناه يطلب لنا التوبة فأتياه فقال: رحمكما الله كيف يطلب أهل الأرض لأهل السماء؟!.
قالا: إنا قد ابتلينا.
قال: ائتياني في يوم الجمعة.
فأتياه فقال: ما أجبت فيكما بشيء إئتياني في الجمعة الثانية.
فأتياه فقال: اختارا فقد خيرتما إن أحببتما معاقبة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله- فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا قليل.
وقال الآخر: ويحك إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن.
إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى.
وإننا يوم القيامة على حكم الله.
فأخاف أن يعذبنا- قال لا: إني لأرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا.
قال: فاختاروا عذاب الدنيا فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار عليهما سفلهما.