أنَّ أباهُ أوصاهُ: إذا مِتُّ، فاغسِلْني غَسلةً بالماءِ، ثم جَفِّفْني في ثَوبٍ، ثم اغسِلْني الثانيةَ بماءٍ قَراحٍ، ثم جَفِّفْني، ثم اغسِلْني الثالثةَ بماءٍ فيه كافورٌ، ثم جَفِّفْني، وألبِسْني الثِّيابَ، وزُرَّ علَيَّ، فإنِّي مُخاصَمٌ، ثم إذا أنتَ حَمَلتَني على السَّريرِ، فامْشِ بي مَشيًا بيْنَ المِشيَتَيْنِ، وكُن خَلفَ الجِنازةِ؛ فإنَّ مُقَدَّمَها لِلمَلائِكةِ، وخَلفَها لبَني آدَمَ، فإذا أنتَ وَضَعتَني في القَبرِ، فسُنَّ علَيَّ التُّرابَ سَنًّا.

ثم قال: اللَّهمَّ إنَّكَ أمَرتَنا فأضَعْنا، ونَهَيتَنا فرَكِبْنا، فلا بَريءٌ فأعتَذِرَ، ولا عَزيزٌ فأنتَصِرَ، ولكن لا إلهَ إلَّا أنتَ.

وما زال يَقولُها حتى ماتَ.

الدلالات الموضوعية:# إيمان - العبرة بالخواتيم# جنائز وموت - غسل الميت# رقائق وزهد - الرجاء مع الخوف# وصايا - الوصية لمعين بالغسل
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: عبدالله بن عمرو
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده قوي

بيانات التخريج:

أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 196) واللفظ له، وابن المبارك في ((الزهد والرقائق)) (2/ 39)، وابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) مختصرا.

الشرح والتوضيح

جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ، أثنى اللهُ تَعالى عليهم، ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبَيَّنَ فضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ، وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تَعالى، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَمرُو بنُ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه، أسلَم قَبلَ فتحِ مَكَّةَ، ولمَّا أسلَم كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُقَرِّبُه ويُدنيه لمَعرِفتِه وشَجاعَتِه، وكان شَديدَ الحَياءِ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يَرفَعُ بَصَرَه إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولمَّا قَرُبَ أجَلُه رَضيَ اللهُ عنه أوصى ابنَه عَبدَ اللَّهِ، فقال له: إذا مُتُّ فاغسِلْني غَسلةً بالماءِ، ثُمَّ جَفِّفْني في ثَوبٍ، ثُمَّ اغسِلْني الثَّانيةَ بماءٍ قَراحٍ، أي: ماءٍ خالصٍ لَم يُخالِطْه طِيبٌ، ثُمَّ جَفِّفْني، ثُمَّ اغسِلْني الثَّالثةَ بماءٍ فيه كافورٌ، وهو نَبتٌ طَيِّبٌ، ثُمَّ جَفِّفْني، وألبِسْني الثِّيابَ، وزُرَّ عليَّ، أي: شُدَّ عليَّ ثَوبَ الأكفانِ، فإنِّي مُخاصَمٌ، أي: لَعَلَّه يَقصِدُ أنَّه مُعرَّضٌ للسُّؤالِ والمُخاصَمةِ في القَبرِ، ثُمَّ إذا أنت حَمَلْتَني على السَّريرِ، أي: نَعشِ الجِنازةِ، فامشِ بي مَشيًا بَينَ المِشيَتَينِ، أي: لا سَريعًا ولا بَطيئًا، بل مَشيًا مُعتَدِلًا، وكُنْ خَلفَ الجِنازةِ؛ فإنَّ مُقدَّمَها للمَلائِكةِ، وخَلْفَها لبَني آدَمَ، فإذا أنتَ وضَعْتَني في القَبرِ، فسُنَّ -أي: صُبَّ- عليَّ التُّرابَ سَنًّا، أي: صُبَّ عليَّ التُّرابَ صَبًّا.

ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ إنَّك أمَرْتَنا فأضَعْنا، أي: قَصَّرْنا فيما أمَرْتَنا به، ونَهَيتَنا فرَكِبْنا، أي: فعَلْنا ما نَهَيتَنا عَنه، فلا بَريءٌ فأعتَذِرَ، ولا عَزيزٌ فأنتَصِرَ، ولَكِنْ لا إلَهَ إلَّا أنتَ.

وما زالَ يَقولُها حَتَّى ماتَ رَضيَ اللهُ عنه.

وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: وإنْ لا تُدرِكْني مِنك رَحمةٌ، أكُنْ مِنَ الهالِكينَ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الوصيَّةِ قَبلَ المَوتِ.

وفيه مَشروعيَّةُ تَغسيلِ المَيِّتِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.

وفيه أنَّ الماشيَ مَعَ الجِنازةِ يَكونُ خَلْفَها.

وفيه ما كان عليه عَمرُو بنُ العاصِ -رَضِيَ اللهُ عنه- مِنَ الخَوفِ مِنَ اللهِ تَعالى، واعتِرافِه بالتَّقصيرِ في حَقِّ اللهِ .

الأصول والأحكام

الطبقات الكبرى - ط العلمية (4/ 196) :

قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن عبد الله بن المختار عن معاوية بن قرة المزني قال: حدثني أبو حرب بن أبي الأسود عن عبد الله بن عمرو أنه حدثه أن أباه أوصاه قال: يا بني إذا مت ‌فاغسلني ‌غسلة ‌بالماء ‌ثم ‌جففني ‌في ‌ثوب.

‌ثم اغسلني الثانية بماء قراح ثم جففني في ثوب.

ثم اغسلني الثالثة بماء فيه شيء من كافور ثم جففني في ثوب.

ثم إذا ألبستني الثياب فأزر علي فإني مخاصم.

ثم إذا أنت حملتني على السرير فامش بي مشيا بين المشيتين وكن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم.

فإذا أنت وضعتني في القبر فسن علي التراب سنا.

ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فركبنا ونهيتنا فأضعنا فلا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر ولكن لا إله إلا الله.

ما زال يقولها حتى مات

الزهد والرقائق - ابن المبارك - ت الأعظمي (2/ 39) :

أنا يونس، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة قال: " أي ‌بني، ‌إذا ‌مت ‌فكفني ‌في ‌ثلاثة ‌أثواب: ‌أزرني ‌إحداهن، ‌ثم شقوا لي الأرض شقا، وسنوا علي التراب سنا؛ فإني مخاصم، اللهم أمرت بأمور ونهيت عن أمور، اللهم فتركنا كثيرا مما أمرت به ، ووقعنا في كثير مما نهيت عنه، اللهم لا إله إلا أنت، ثم أخذ بإبهامه، فلم يزل يهلل حتى فاظ "

المحتضرين لابن أبي الدنيا (ص201) :

279 - حدثنا عبد الله قال: حدثنا أبو كريب الهمداني قال: حدثنا زكريا بن عدي، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو: أن أباه قال حيث احتضر: اللهم أمرتنا بأمور، ونهيت عن أمور، تركنا كثيرا مما أمرت، ووقعنا في كثير مما نهيت، اللهم لا إله إلا أنت.

ثم أخذ بإبهامه، ‌فلم ‌يزل ‌يهلل ‌حتى ‌فاض

أحاديث ذات صلة