قَرَأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]»، قالَ: «فَأَخْرَجَ مِن النُّورِ مِثلَ هذا».
وأشارَ إلى نِصْفِ أُنْمُلةِ الخِنْصَرِ، فَضَرَبَ بِها صَدْرَ حَمَّادٍ.
قالَ: «فَساخَ الجَبَلُ».
مِن عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّ المُؤمِنينَ يَرَونَ اللَّهَ تَعالى يَومَ القيامةِ، والنُّصوصُ في ذلك كَثيرةٌ جِدًّا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ومِن ذلك قَولُه تَعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّها نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] .
وأمَّا في الدُّنيا فلا أحَدَ يَراه، ولَم يَرَه أحَدٌ، ولا يَستَطيعُ أحَدٌ أن يَراه سُبحانَه؛ ولهذا لمَّا طَلَبَ موسى عليه السَّلامُ رُؤيةَ اللهِ تَعالى عَلَّق اللَّهُ رُؤيَته باستِقرارِ الجَبَلِ، فلمَّا تَجَلَّى اللهُ تَعالى للجَبَلِ لَم يَستَقِرَّ بَل تَدَكدَك، أي: صارَ تُرابًا، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِقدارَ هذا التَّجَلِّي الذي وقَعَ، فقد قَرَأ صلَّى الله عليه وسلَّم قَولَه تَعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرُ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] ، وقال: أُخرِجَ مِنَ النُّورِ، أي: عِندَ تَجَلِّي اللهِ تَعالى للجَبَلِ، مِثلُ هذا.
وأشارَ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى نِصفِ أُنمُلةِ الخِنصَرِ، وفي رِوايةٍ: أنَّه وضَعَ إبهامَه على قَريبٍ مِن طَرَفِ أُنمُلَتِه، فضَرَبَ بها، أي: ثابتٌ أحَدُ الرُّواةِ ضَرب صَدرَ حَمَّادٍ.
فقد جاءَ ذلك موضَّحًا في رِوايةٍ أُخرى، وهيَ أنَّ ثابتًا البُنانيَّ لمَّا حَدَّثَ بهذا الحَديثِ، قال له حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ: تَقولُ هذا؟ فرَفعَ ثابتٌ يَدَه وضَربَ صَدرَ حَمَّادٍ، وقال: يَقولُه رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويَقولُه أنَسٌ، وأنا أكتُمُه! قال -أي: النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم-: فساخَ الجَبَلُ، أي: غاصَ في الأرضِ وغابَ فيها.
وفي الحَديثِ تَبيينُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لبَعضِ آياتِ القُرآنِ.
وفيه بَيانُ مِقدارِ التَّجَلِّي الذي وقَعَ مِنَ اللهِ تَعالى.
وفيه زَجرُ مَن أرادَ أن يَرُدَّ الحَديثَ أو يُكَذِّبَه.
وفيه بَيانُ عَظيمِ قدْرِ اللَّهِ تَعالى حَيثُ ساخَ الجَبَلُ عِندَ التَّجَلِّي .