كنتُ أُطيِّبُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا رمى جمرةَ العقبةِ قبل أن يُفيضَ فسنَّةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أحقُّ أن يؤخذَ بها من سنَّةِ عمرَ
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (4044)
الحَجُّ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ له أركانٌ وواجِباتٌ وسُنَنٌ، وله كَذلك مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها أثناءَ الإحرامِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومن مَحظوراتِ الإحرامِ استِعمالُ الطِّيبِ، فيَحرُمُ على المُحرِمِ أن يَستَعمِلَ الطِّيِبَ إلى أن يَتَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الأوَّلَ، وذلك برَميِ جَمرةِ العَقَبةِ يَومَ النَّحرِ، وهو اليَومُ العاشِرُ من ذي الحِجَّةِ؛ فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا رَمى جَمرةَ العَقَبةِ يَومَ النَّحرِ تُطَيِّبُه عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها ثمَّ يَذهَبُ إلى الكَعبةِ ويَطوفُ طَوافَ الإفاضةِ، ولعَلَّ بَعضَ الصَّحابةِ لم يَبلُغْه ذلك، فكان عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه لا يَتَطَيَّبُ إلَّا إذا رَمى جَمرةَ العَقَبةِ وحَلَقَ، ويَقولُ: إذا حَلَقتُم ورَمَيتُم فقد حَلَّ لكُم كُلُّ شَيءٍ إلَّا النِّساءَ والطِّيبَ.
فلمَّا سَمِعَت عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عنها ذلك بَيَّنَت هَدْيَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذلك وقالت: كُنتُ أُطَيِّبُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا رَمى جَمرةَ العَقَبةِ قَبلَ أن يُفيضَ، أي: قَبلَ أن يَطوفَ طَوافَ الإفاضةِ؛ فسُنَّةُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَقُّ أن يُؤخَذَ بها من سُنَّةِ عُمَرَ.
وفي المَسألةِ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ استِعمالِ المُحرِمِ للطِّيبِ بَعدَ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ قَبلَ طَوافِ الإفاضةِ.
وفيه أنَّ سُنَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُقدَّمةٌ على كُلِّ أحَدٍ.
وفيه بَيانُ أنَّ مَن عَلمَ حُجَّةٌ على مَن لم يَعلَمْ .
شرح معاني الآثار - ط مصر (2/ 231) :
4044 - حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا سفيان ، قال: ثنا عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عمر ، قال: قال عمر رضي الله عنه فذكر مثل الذي رويناه عنه في الفصل الذي قبل هذا: قال: " فقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض " فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحق أن يؤخذ بها من سنة عمر.
والنظر بعد ذلك في هذا ، يدل على ذلك أيضا لأن حكم الطيب بحكم اللباس أشبه من حكمه بحكم الجماع ، لما قد فسرنا مما تقدم في هذا الباب.
وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد رضي الله عنهم ، وقد روي ذلك أيضا عن جماعة من التابعين.