جاء حُصَينٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال يا محمدُ كان عبدُ المطلبِ خيرًا لقومِه منك كان يطعمُهم الكبدَ والسِّنامَ وأنت تنحرُهم فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما شاء اللهُ أن يقولَ ثم إنَّ حُصَينًا قال يا محمدُ ماذا تأمرُني أن أقولَ قال قُلِ اللهمَّ إني أعوذُ بك من شرِّ نفسي وأسألك أن تعزمَ لي على رشدِ أمري قال ثم إنَّ حُصَينًا أسلمَ ثم أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال إني كنتُ سألتُك المرةَ الأولى وإني الآنَ أقولُ ما تأمرُني أن أقولَ قال قُلِ اللهمَّ اغفرْ لي ما أسررتُ وما أعلنتُ وما أخطأتُ وما عمدتُ وما جهلتُ وما علمتُ
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (29964)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2525) واللفظ له، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (1480)
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَريصًا على هدايةِ النَّاسِ برِفقٍ وحِكمةٍ، وكان كثيرٌ منَ المُشرِكينَ إذا أرادَ أن يَدخُل في الإسلامِ يَسألُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أشياءَ، فيُجيبُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنها، بل إنَّ بَعضَ المُشرِكينَ كان يُخاصِمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أشياءَ أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخِلافِ ما كانوا عليه، فيوضِّحُ لهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَستَشكِلونه، ومن نَماذِجِ ذلك الصَّحابيُّ الجَليلُ حُصَينٌ رَضِيَ اللهُ عنه، والِدُ الصَّحابيِّ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عنهما؛ فقد جاءَ حُصَينٌ وهو ما زال مُشرِكًا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: يا مُحَمَّدُ، كان عَبدُ المُطَّلِبِ -جَدُّك- خيرًا لقَومِه منك! كان يُطعِمُهمُ الكَبدَ والسَّنامَ، أي: سَنامَ الجَمَلِ، وأنتَ تَنحَرُهم! والمَعنى: أنَّ عَبدَ المُطَّلِبِ كان يُكرِمُ قَومَه ويَنحَرُ لهمُ الإبِلَ ويُطعِمُهم أعظَم شَيءٍ منها، وأمَّا أنتَ يا مُحَمَّدُ فتَنحَرُ قَومَك، أي: تَكيدُهم وتَغيظُهم، وتَأخُذُهم بالشِّدَّةِ وعَدَمِ التَّلطُّفِ بهم، وهذا على زَعمِ حُصَينٍ، وما كانتِ الشِّدَّةُ من خُلُقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما كان يُعامِلُهم إلَّا بكُلِّ لُطفٍ ولينٍ.
فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما شاءَ اللهُ أن يَقولَ، أي: أجابَه وبَيَّنَ له ذلك ودَعاه إلى الإسلامِ، فارتاحَ حُصَينٌ من بَيانِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له، ورَكَنَ إلى الإسلامِ، وطَلبَ منَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعَلِّمَه دُعاءً يَزدادُ به انشِراحًا للإسلامِ، فقال للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ماذا تَأمُرُني أن أقولَ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قُل: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من شَرِّ نَفسي، وأسألُك أن تَعزِمَ لي على أرشَدِ أمري، أي: قَوِّ عَزيمَتي على ما فيه الخَيرُ لي.
وهذا الدُّعاءُ من جَوامِعِ الكَلِمِ النَّبَويِّ؛ لأنَّ طَلبَ إلهامِ الرُّشدِ يَكونُ به السَّلامةُ مِن كُلِّ ضَلالٍ، والاستِعاذةُ من شَرِّ النَّفسِ يَكونُ بالسَّلامةِ مِن غالبِ مَعاصي اللهِ سُبحانَه؛ فإنَّ أكثَرَها من جِهةِ النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، ثمَّ إنَّ حُصَينًا حَبَّبَ اللَّهُ إليه الإسلامَ ببَرَكةِ الدُّعاءِ، فأسلمَ ورَجَعَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: إنِّي كُنتُ سَألتُك المَرَّةَ الأولى، وإنِّي الآنَ أقولُ: ما تَأمُرُني أن أقولَ؟ أي: بَعدَ إسلامي، قال: قُل: اللَّهمَّ اغفِرْ لي ما أسرَرتُ وما أعلَنتُ، أي: الذُّنوبَ التي عَمِلْتُها في السِّرِّ والخَفاءِ، والذُّنوبَ التي عَمِلْتُها في العَلَنِ والظَّاهِرِ، وما أخطَأتُ وما عَمَدتُ، أي: التي عَمِلتُها عن خَطأٍ منِّي وعن عَمدٍ، وما جَهِلتُ وما عَلِمتُ، أي: ما عَمِلتُه عن جَهلٍ منِّي وعن عِلمٍ.
فيَسألُ اللَّهَ أن يَغفِرَ له جَميعَ الذُّنوبِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ إسلامِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه فضلُ حُصَينٍ؛ حَيثُ طَلبَ منَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَعليمَه ما يَنفعُه.
وفيه بَيانُ تَعليمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه منَ الأدعيةِ ما يَنفعُهم في دينِهم ودُنياهم.
وفيه أهَمِّيَّةُ الدُّعاءِ بهذه الأدعيةِ التي عَلَّمَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لحُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عنه .
مصنف ابن أبي شيبة - ترقيم عوامة (10/ 267) 29964- حدثنا محمد بن بشر , حدثنا زكريا بن أبي زائدة حدثنا منصور بن المعتمر قال : حدثني ربعي بن حراش ، عن عمران بن حصين ، أنه قال : جاء حصين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم فقال : يا محمد ، ما تأمرني أن أقول ؟ قال : تقول : اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي , وأسألك أن تعزم لي على أرشد أمري ، قال : ثم إن حصينا أسلم بعد ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني كنت سألتك المرة الأولى ، وإني الآن أقول : ما تأمرني أقول ؟ قال : قل : اللهم اغفر لي ما أسررت ، وما أعلنت ، وما أخطأت ، وما تعمدت ، وما جهلت ، وما علمت.
[شرح مشكل الآثار] (6/ 347) :
2525 - حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، قال: حدثنا منصور بن المعتمر، قال: حدثنا ربعي بن حراش، عن عمران بن حصين ، قال: جاء حصين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، فقال: يا محمد كان عبد المطلب خيرا لقومه منك، كان يطعمهم الكبد والسنام ، وأنت تنخرهم.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم إن حصينا قال: يا محمد، ماذا تأمرني أن أقول؟ قال: " قل: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وأسألك أن تعزم لي على رشد أمري ".
قال: ثم إن حصينا أسلم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني كنت سألتك المرة الأولى ، وإني الآن أقول: ما تأمرني أن أقول؟ قال: " قل: اللهم اغفر لي ما أسررت ، وما أعلنت ، وما أخطأت ، وما عمدت ، وما جهلت ، وما علمت ".
[مسند الشهاب] (2/ 337) :
1480 - أنا محمد بن الحسين النيسابوري، أنا القاضي أبو طاهر، نا محمد بن عبدوس، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، نا زكريا بن أبي زائدة، نا منصور بن المعتمر، حدثني ربعي بن حراش، عن عمران بن حصين ، أنه قال: جاء حصين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم فقال: يا محمد، عبد المطلب خير لقومه، كان يطعم الكبد والسنام، وأنت تنحرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم إن حصينا قال: يا محمد، ما تأمرني أن أقول؟ فقال: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وأسألك أن تعزم لي على رشد أمري ، قال: ثم إن حصينا أسلم بعد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني كنت سألتك المرة الأولى، ألا وأقول لك ما تأمرني أن أقول؟ قال: قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت، وما أخطأت وما تعمدت، وما جهلت وما علمت.