أرسلَ إليَّ أنَسُ بنُ مالِكٍ فأبطأتُ عنه ثمَّ أرسلَ إليَّ فأتيتُهُ ، فقالَ إنِّي كنتُ أرى أنِّي لو أمرتُكَ أن تَعَضَّ على حَجرِ كذا وَكَذا ، ابتِغاءَ مَرضاتي ، لفَعلتَ ، اخترتُ لَكَ عملًا فكَرِهْتَهُ ، أوَ أَكْتبُ لَكَ سنَّةَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُ ؟ قالَ: قلتُ ، اكتُب لي سنَّةَ عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهُ .
قالَ: فَكَتبَ منَ المسلِمينَ ، من كل أربعينَ درهَمٍ ، درهمًا ، ومن أَهْلِ الذِّمَّةِ من كلِّ عِشرينَ درهمًا ، درهَمٍ ، ومِمَّن لا ذمَّةَ لَهُ ، مِن كلِّ عشرةِ دراهمَ ، دِرهمٌ قالَ: قلتُ ، مَن لا ذمَّةَ لَهُ ؟ قل: الرُّومُ كانوا يَقدَمونَ منَ الشَّامِ
الزَّكاةُ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ فرَضَها اللهُ تعالى على أهلِ الأموالِ في أموالِهم، تُؤخَذُ منهم وتُعطى للفُقَراءِ؛ ولهذا لمَّا بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُعاذًا إلى اليَمَنِ قال له: وأخبِرْهم أنَّ اللهَ فرَضَ عليهم زَكاةً تُؤخَذُ من أغنيائِهم وتُرَدُّ على فُقَرائِهم، ويُشرَعُ للإمامِ أن يَأخُذَ الزَّكاةَ أو يَبعَثَ مَن يَأخُذُها من أهلِ الأموالِ، وقد أمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُصَدِّقينَ أن يَأخُذوا من أموالِ المُسلمينَ ما بلغَ فيه النِّصابُ، وكَذا أموالُ أهلِ الذِّمَّةِ منَ العُشرِ، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ ذلك؛ فقد قال أنَسُ بنُ سِيرينَ وهو مَولى أنَسِ بنِ مالكٍ: أرسَل إليَّ أنَسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أن آتِيَه، فأبطَأتُ عليه، أي: تَأخَّرتُ، ثمَّ أرسَلَ إليَّ فأتَيتُه، فقال: إنِّي كُنتُ أرى أنِّي لو أمَرتُك أن تَعَضَّ -أي: تُمسِكَ بأسنانِك- على حَجرِ كَذا وكَذا، ابتِغاءَ مَرضاتي، لفعَلْتَ! أي: كُنتُ أتَوقَّعُ ألَّا تَتَأخَّرَ عليَّ، وكُنتُ أظُنُّ أنِّي لو أمَرتُك بِعَضِّ حَجَرٍ لسارَعتَ في الامتِثالِ وشِدَّةِ الاستِمساكِ به! ثمَّ قال له: اختَرتُ لك عَمَلًا فكَرِهتَه! أي: قدِ اختَرتُ لك عَمَلًا طَيِّبًا فكَرِهتَه، وذلك أنِّي أريدُ أن أكتُبَ لك سُنَّةَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، فقال أنَسُ بنُ سِيرينَ: اكتُبْ لي سُنَّةَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: لأنَّ عُمَرَ منَ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ الذي أُمِرْنا باتِّباعِ سُنَّتِهم، فقال أنَسُ بنُ مالكٍ: إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه كَتَبَ لعُمَّالِه أن خُذوا منَ المُسلمينَ منَ الزَّكاةِ رُبُعَ العُشرِ: من أربَعينَ دِرهَمًا، دِرهمًا، ومن أهلِ الذِّمَّةِ -وهم من كانوا منَ اليهودِ والنَّصارى على دينِهم ويُتاجِرونَ في بلادِ المُسلمينَ- يَأخُذُ منهم نِصفَ العُشرِ: من كُلِّ عِشرينَ دِرهَمًا، دِرهَمًا، ومِمَّن لا ذِمَّةَ له، أي: ومَن كان ليس له ذِمَّةٌ وهو الحَربيُّ، فيُؤخَذُ العُشرُ كامِلًا: من كُلِّ عَشَرةِ دَراهمَ دِرهَمًا.
فسَأل أنَسُ بنُ سِيرينَ عمَّن ليس لهم ذِمَّةٌ؟ فقال أنَسُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: همُ الرُّومُ الذينَ كانوا يَقدَمونَ منَ الشَّامِ؛ لأن الرُّومَ كانوا حينَئِذٍ أهلَ حَربٍ، وكانت تُجَّارُهم يَدخُلونَ أرضَ العَرَبِ للتِّجارةِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعْثِ الإمامِ مَن يَأخُذُ الزَّكاةَ.
وفيه مَشروعيَّةُ اتِّباعِ سُنَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه أنَّه يُؤخَذُ من أهلِ الذِّمَّةِ ومَن لا ذِمَّةَ له ضِعفُ ما يُؤخَذُ منَ المُسلمينَ .