حجَجتُ معَ مواليَّ ، فدخَلتُ على أمِّ سلمةَ ، زوجِ النَّبيِّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ أعتمرُ قبلَ أن أحجَّ ؟ قالَت : إن شئتَ اعتمِر قبلَ أن تَحجَّ ، وإن شئتَ بعدَ أن تحجَّ .
قالَ : فقُلتُ : إنَّهم يقولونَ : مَن كانَ صَرورةً فلا يَصلحُ أن يعتمرَ قبلَ أن يحجَّ ؟ قالَ : فسألتُ أمَّهاتِ المؤمنينَ فقلنَ مثلَ ما قالت (فرَجعتُ إليها) ، فأخبرتُها بقولِهِنَّ .
قالَ : فقالَت : نعَم وأشفيكَ ، سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ : أَهِلُّوا يا آلَ محمَّدٍ بعُمرةٍ في حجٍّ
جاءَتِ النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ بالتَّرغيبِ بالعُمرةِ والإكثارِ منها في أيِّ وقتٍ وزَمانٍ، سَواءٌ كان الشَّخصُ قد حَجَّ أم لم يَحُجَّ، فتُشرَعُ العُمرةُ حتَّى قَبلَ أن يَحُجَّ الشَّخصُ؛ فقدِ اعتَمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ أن يَحُجَّ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو عِمرانَ أسَلمُ بنُ يَزيدَ، وهو أحَدُ التَّابعينَ: إنَّه حَجَّ مَعَ مَواليه، والمَولى هو المُعتَقُ، فدَخَل على أمِّ سَلمةَ رَضِيَ اللهُ عنها، زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وسَألها: هل أعتَمِرُ قَبل أن أحُجَّ؟ فقالت له: إن شِئتَ اعتَمِرْ قَبلَ أن تَحُجَّ، وإن شِئتَ بَعدَ أن تَحُجَّ.
فقال لها: إنَّهم يَقولونَ: مَن كان صرورةً، أي: ما حَجَّ قَبلُ، فلا يَصلُحُ أن يَعتَمِرَ قَبلَ أن يَحُجَّ! ثمَّ ذَهَبَ أبو عِمرانَ، وسَأل أمَّهاتِ المُؤمنينَ عن ذلك، وكُلُّهنَّ قُلنَ مِثلَ ما قالت أمُّ سَلَمةَ، فرَجَعَ أبو عِمرانَ لأمِّ سَلَمةَ وأخبَرَها بقَولِهنَّ.
فقالت له أمُّ سَلَمةَ: نَعَم، وأشفيك، أي: أزيدُك رِبحًا وعلمًا أكثَرَ ممَّا عَلِمتَ، وعَبَّرَت بهذا التَّعبيرِ البليغِ؛ لأنَّ الجَهلَ داءٌ، والعِلمَ شِفاءٌ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: أهِلُّوا، أي: أحرِموا، يا آلَ مُحَمَّدٍ -وهم: أهلُ بَيتِه الذينَ حَرُمَت عليهمُ الصَّدَقةُ، وهم بَنو هاشِمٍ، وبَنو المُطَّلِبِ- بعُمرةٍ في حَجٍّ.
أي: مَعَ الحَجِّ، وهذا يُقالُ له: القِرانُ، وهو أن يُحرِمَ بالحَجِّ والعُمرةِ معًا.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ العُمرةِ قَبلَ الحَجِّ.
وفيه مَشروعيَّةُ العُمرةِ بَعدَ الحَجِّ.
وفيه مَشروعيَّةُ العُمرةِ مَعَ الحَجِّ.
وفيه مَشروعيَّةُ سُؤالِ أكثَرَ من عالمٍ في المَسألةِ الواحِدةِ.
وفيه فِقهُ وعِلمُ أمَّهاتِ المُؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عنهنَّ .