خرَجتُ مع أبي وسَعدٍ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسوَدِ بنِ عَبدِ يَغوثَ عامَ أذرُحَ، فوَقَعَ الوَجعُ بالشَّامِ، فأقَمْنا بسَرْغَ خَمسينَ لَيلةً، ودخَلَ علينا رَمضانُ، فصام المِسوَرُ وعَبدُ الرَّحمنِ، وأفطَرَ سَعدٌ وأبى أنْ يَصومَ.
فقُلتُ له: يا أبا إسحاقَ، أنت صاحِبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وشهِدتَ بَدرًا، وأنت تُفطِرُ وهما صائمانِ؟! قال: أنا أفقَهُ منهما.
أخرجه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/ 369) ، والطبري في ((تهذيب الآثار - مسند ابن عباس)) (187)، والبيهقي (5549) جميعا بلفظه ، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (2422) بنحوه .
الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ قائِمةٌ على التَّيسيرِ، ومن أنواعِ التَّيسيرِ الرُّخصةُ في الإفطارِ في رَمَضانَ للمُسافِرِ، فيُشرَعُ للمُسافِرِ أن يُفطِرَ في رَمَضانَ؛ يَقولُ اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 183، 184] ، ولكِنَّ هناكَ تَفصيلاتٍ كَثيرةً في أحكامِ الفِطرِ للمُسافِرِ، ومنها: أنَّه هل يُفطِرُ المُسافِرُ إذا طالت به مُدَّةُ السَّفَرِ إذا كان لم يَنوِ الإقامةَ في البلَدِ الذي سافرَ إليه أم لا؟ فهذه مَسألةٌ اختَلف العُلماءُ فيها؛ فكان بَعضُ الصَّحابةِ يَصومُ ويَرى أنَّ ذلك ليس في حُكمِ السَّفرِ؛ لأنَّ المُدَّةَ قد طالت فحُكمُه حُكمُ المُقيمِ، وبَعضُهم كان يُفطِرُ ويَرى أنَّه ما زال في حُكمِ المُسافِرِ، وفي هذا الحَديثِ بَيانُ مَن كان يَرى الصَّومَ في السَّفرِ، ومَن كان يَرى الفِطرَ في السَّفرِ، فيَقولُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ، وهو منَ التَّابعينَ: خَرَجتُ مَعَ أبي -أي: المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ رَضِيَ اللهُ عنه- وسَعدٍ، وهو ابنُ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وهما منَ الصَّحابةِ، وعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الأسوَدِ بنِ عَبدِ يَغوثَ -واختُلِف في صُحبَتِه؛ فعَدَّه بَعضُهم في الصَّحابةِ، وقال بَعضُهم: بل من كِبارِ التَّابعينَ- عامَ أَذْرُحَ.
وأَذْرُحُ: قَريةٌ أردُنِّيَّةٌ تُجاوِرُ الجَرباءَ، وهما تَقَعانِ شَمالَ غَربيِّ مَدينةِ مَعَانٍ على قُرابةِ 22 كَيلًا، وعامُ أذْرُحَ هو عامُ (37هـ) الذي وقَعَ فيه التَّحكيمُ بَينَ عَليٍّ ومُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما، فوقَعَ الوجَعُ بالشَّامِ، أي: وقَعَ الوَباءُ، فأقَمْنا بسَرْغَ -وهو بلدٌ في أوَّلِ الحِجازِ وآخِرِ الشَّامِ، وتُعرَفُ اليَومَ بالمُدَوَّرةِ آخِرَ حُدودِ الأردُنِّ جَنوبًا- خَمسينَ ليلةً، ودَخل علينا رَمَضانُ، أي: دَخَل عليهم شَهرُ رَمَضانَ وهم مُسافِرونَ، فصامَ المِسوَرُ بنُ مَخرَمةَ وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ الأسوَدِ؛ وذلك لأنَّهما ظَنَّا أنَّهما لا يَشمَلُهما حُكمُ المُسافِرِ؛ لطولِ فترةِ سَفرِهما، وأفطَرَ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ رَضيَ اللهُ عنه، وأبى، أي: امتَنَعَ أن يَصومَ؛ وذلك لأنَّه رَأى أنَّه في حُكمِ المُسافِرِ، فقال عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ المِسوَرِ لسَعدٍ: يا أبا إسحاقَ، وهي كُنيةُ سَعدٍ، أنتَ صاحِبُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وشَهِدتَ بَدرًا، وهذه مَنقَبةٌ له؛ لكَونِه شَهدَ غَزوةَ بَدرٍ، وأنتَ تُفطِرُ وهما صائِمانِ؟! أي: كَيف تُفطِرُ مَعَ أنَّك صَحِبتَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَهِدتَ مَعَه بدرًا، وصاحِباك يُفطِرانِ؟ فقال سَعدٌ رَضِيَ اللهُ عنه: أنا أفقَهُ منهما، أي: أنا أعلَمُ منهما بالحُكمِ الشَّرعيِّ في هذه المَسألةِ، والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ وُقوعُ الخِلافِ بَينَ الصَّحابةِ.
وفيه وُقوعُ الخِلافِ في مَسألةِ الصِّيامِ في السَّفرِ الطَّويلِ.
وفيه مَشروعيَّةُ مَدحِ الشَّخصِ نَفسَه عِندَ الحاجةِ .
المعرفة والتاريخ - ت العمري - ط العراق (1/ 369) :
حدثني عبد العزيز بن عمران حدثنا ابن وهب حدثني أسامة بن زيد:
أن ابن شهاب حدثه: أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أذرح، فوقع الوجع بالشام، فأقمنا بالسرح خمسين ليلة، ودخل علينا رمضان، فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود وأفطر سعد بن أبي وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد: يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت بدرا والمسور يصوم وعبد الرحمن وأنت تفطر؟ قال سعد: إني أنا أفقه منهم.
تهذيب الآثار - مسند ابن عباس (1/ 129) :
187 - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، أن ابن شهاب، حدثه عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، قال: خرجت مع أبي، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عام أذرح، " فوقع الوجع بالشام، فأقمنا بسرغ خمسين ليلة، فدخل علينا رمضان، فصام المسور، وعبد الرحمن بن الأسود، وأفطر سعد بن أبي وقاص فأبى أن يصوم، فقلت لسعد: يا أبا إسحاق، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدت بدرا، والمسور يصوم وعبد الرحمن، وأنت تفطر؟ فقال سعد: إني أنا أفقه منهما
السنن الكبير للبيهقي (6/ 176 ت التركي) :
5549 - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنى عبد العزيز بن عمران، حدثنا ابن وهب، حدثنى أسامة بن زيد، أن ابن شهاب حدثه، أن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: خرجت مع أبى وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهرى عام أذرح فوقع الوجع بالشام، فأقمنا بالسرغ خمسين ليلة، ودخل علينا رمضان، فصام المسور وعبد الرحمن بن الأسود، وأفطر سعد بن أبى وقاص وأبى أن يصوم، فقلت لسعد: يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت بدرا، والمسور يصوم وعبد الرحمن، وأنت تفطر؟! قال سعد: إني أنا أفقه منهم.
شرح معاني الآثار - ط مصر (1/ 420) :
2422 - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن رجلا، أخبره ، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: " أن سعد بن أبي وقاص ، والمسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن عبد يغوث ، كانوا جميعا في سفر ، فكان سعد يقصر الصلاة ويفطر ، وكانا يتمان الصلاة ويصومان.
فقيل لسعد: نراك تقصر الصلاة وتفطر ويتمان.
فقال سعد: نحن أعلم "