لَمَّا دخَلَ المأمونُ بَغدادَ، نادَى بتَركِ الأمْرِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ؛ وذلك لأنَّ الشيوخَ بَقُوا يَضرِبونَ ويَحبِسونَ، فنَهاهمُ المأمونُ، وقال: قدِ اجتَمَعَ الناسُ على إمامٍ، فمرَّ أبو نُعَيمٍ، فرَأى جُنديًّا وقد أدخَلَ يدَيْهِ بينَ فَخِذَيِ امرأةٍ، فنَهاه بعُنفٍ، فحمَلَه إلى الوالي، فيَحمِلُه الوالي إلى المأمونِ، قال: فأُدخِلْتُ عليه بُكرةً وهو يُسَبِّحُ، فقال: تَوضَّأْ، فتَوضَّأْتُ ثلاثًا ثلاثًا.

الدلالات الموضوعية:# وضوء - عدد مرات الوضوء# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - إثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# وضوء - الوضوء مرة ومرتين وثلاثا والنهي عن مجاوزة ذلك
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: عبدالصمد بن المهتدي
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:[حسن صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه الخطيب البغدادي (14/ 307)، وعبد الغني المقدسي في ((الكمال في أسماء الرجال)) (8/ 151) واللفظ لهما.

الشرح والتوضيح

الأمرُ بالمَعروفِ والنَّهيُ عنِ المُنكَرِ شَعيرةٌ من شَعائِرِ هذا الدِّينِ التي أمَرَ اللهُ تعالى بها، فقال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] ، بل أثنى اللهُ تعالى على هذه الأمَّةِ لأمرِها بالمَعروفِ ونَهيِها عنِ المُنكَرِ، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] .

وللأمرِ بالمَعروفِ شُروطٌ وآدابٌ يَنبَغي مَعرِفتُها، ومن تلك الآدابِ أن يَكونَ الآمِرُ بالمَعروفِ والنَّاهي عنِ المُنكَرِ حكيمًا في أمرِه ونَهيِه، وأن يَكونَ أمرُه ونَهيُه برِفقٍ ولُطفٍ؛ ولهذا لمَّا كان في زَمَنِ الخَليفةِ المَأمونِ واشتَدَّ الشُّيوخُ والآمِرونَ بالمَعروفِ والنَّاهونَ عنِ المُنكَرِ على النَّاسِ، فكانوا يَضرِبونَهم ويَحبِسونَهم، فلمَّا دَخَل المَأمونُ بَغدادَ نادى بتَركِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ؛ وذلك لأنَّ الشُّيوخَ أصبَحوا يَضرِبونَ ويَحبِسونَ النَّاسَ، فنَهاهمُ المَأمون عن ذلك ومَنَعَهم منَ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ؛ بسَبَب شِدَّتِهم على النَّاسِ، وقال: قدِ اجتَمَعَ النَّاسُ على إمامٍ، أي: أنَّ الأمرَ راجِعٌ للإمامِ وليس عليكُم، فمَرَّ أبو نُعَيمٍ، وهو الإمامُ الحافِظُ الكَبيرُ الفَضلُ بنُ دُكَينٍ، فرَأى جُنديًّا منَ الجُنودِ وقد أدخَلَ الجُنديُّ يَدَيه بَينَ فَخِذي امرَأةٍ، فنَهاه أبو نُعَيمٍ وأنكَرَ عليه بعُنفٍ وشِدَّةٍ، فحَمل الجُنديُّ أبا نُعَيمٍ إلى الوالي؛ وذلك لأنَّ أبا نُعَيمٍ خالف أمرَ الخَليفةِ بتَركِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، فحَمَل الوالي أبا نُعَيمٍ إلى الخَليفةِ المَأمونِ، يَقولُ أبو نُعَيمٍ: فأُدخِلتُ عليه -أي: على المَأمونِ- بُكْرةً، أي: بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ، وهو يَسبَحُ، أي: يَسبَحُ في حُبٍّ في شَيءٍ من فِضَّةٍ، كما جاءَ موضَّحًا في الرِّوايةِ الأخرى، فقال الخَليفةُ لأبي نُعَيمٍ: تَوضَّأْ، فتَوضَّأ أبو نُعَيمٍ ثَلاثًا ثَلاثًا، كما هو السُّنَّةُ في الوُضوءِ؛ أنَّه يُشرَعُ الوُضوءُ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ كما في الرِّوايةِ الأخرى.

وتَكمِلةُ القِصَّةِ في الرِّوايةِ الأخرى: أنَّ المَأمونَ سَأل أبا نُعَيمٍ بَعضَ الأسئِلةِ عن مَسائِلَ في الميراثِ، فلمَّا أجابَه عنها قال الخَليفةُ لأبي نُعَيمٍ: يا هذا، من نَهى مِثلَك عنِ الأمرِ بالمَعروفِ؟! أي: ليس أنتَ المَقصودَ بقَولِنا للشُّيوخِ: اترُكوا الأمرَ بالمَعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكَرِ؛ فأنتَ عالمٌ وإمامٌ، وإنَّما نَهَينا أقوامًا يَجعَلونَ المَعروفَ مُنكَرًا، أي: أقوامًا أهلَ جَهلٍ لا يُفرِّقونَ بَينَ المَعروفِ والمُنكَرِ، فيَأمُرونَ ويَنهَونَ عن جَهلٍ وقِلَّةِ عِلمٍ؛ ممَّا يوقِعُ النَّاسَ في حَرَجٍ وشِدَّةٍ.

ثمَّ قال أبو نُعَيمٍ للخَليفةِ: فليَكُنْ في نِدائِك: لا يَأمُرْ بالمَعروفِ إلَّا من أحسَنَ أن يَأمُرَ به.

ثمَّ خَرَجَ أبو نُعَيمٍ من عِندِ الخَليفةِ.

وفي هذه القِصَّةِ أهَمِّيَّةُ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ.

وفيه أن يَكونَ الآمِرُ بالمَعروفِ والنَّاهي عنِ المُنكَرِ صاحِبَ عِلمٍ.

وفيه بَيانُ فَضلِ ومَكانةِ الإمامِ أبي نُعَيمٍ.

وفيه مَشروعيَّةُ الوُضوءِ ثلاثًا ثلاثًا .

الأصول والأحكام

تاريخ بغداد (14/ 307 ت بشار) :

أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز، قال: حدثنا أبو القاسم عمر بن محمد بن سيف الكاتب، قال: في كتابي عن عبد الصمد بن المهتدي ، قال: لما دخل المأمون بغداد ‌نادى ‌بترك ‌الأمر ‌بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك أن الشيوخ ببغداد كانوا يحبسون ويعاقبون في المحال، فنادى بذلك، لأن الناس قد اجتمعوا على إمام، قال: فدخل أبو نعيم بغداد في ذلك الوقت، فنظر إلى رجل من الجند قد أدخل يده بين فخذي امرأة، فزجره أبو نعيم، فتعلق الجندي بأبي نعيم ودفعه إلى صاحب الشرطة، وعلى الشرطة يومئذ عياش، وصاحب الخبر أبو عباد، فكتب بخبره إلى المأمون، فأمر بحمله إليه، قال أبو نعيم: فأدخلت عليه وقد صلى الغداة، وهو يسبح بحب في شيء من فضة، فسلمت عليه فرد السلام في خفاء شبه الواجد، فبينا أنا قائم إذ أتى غلام بطست وإبريق، فنحاني من بين يديه، وأجلسني حيث ينظر، وقال لي: توضأ، قال: فأخذت الإناء وتوضأت كما حدثنا الثوري حديث عبد خير، عن علي ثم جيء بحصير، فطرح لي، فقمت فصليت ركعتين كما روي عن أبي اليقظان عمار بن ياسر أنه صلى ركعتين، فأوجز فيهما ثم صاح بي إليه، فجئت، فأمرني، فجلست، فقال لي: ما تقول في رجل مات وخلف أبويه؟ فقلت: لأمه الثلث، وما بقي فلأبيه، قال: فخلف أبويه وأخاه؟ فقلت: لأمه الثلث، وما بقي فلأبيه، وسقط أخوه، قال: فخلف أبويه وأخوين، فقلت: لأمه السدس، وما بقي فلأبيه، فقال لي: في قول الناس كلهم؟ فقلت: لا، في قول الناس كلهم إلا في قول جدك، فإنه ما حجبها عن الثلث إلا بثلاث إخوة، فقال لي: يا هذا من نهى مثلك أن يأمر بالمعروف، إنما نهينا أقواما يجعلون المعروف منكرا، قال: فقلت: فليكن في ندائك لا يأمر بالمعروف إلا من أحسن أن يأمر به، فقال لي: انصرف أو كما قال

الكمال في أسماء الرجال (8/ 151) :

أخبرنا أبو موسى، أنا أبو منصور، أنا أبو بكر، أنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن علي البزاز، أنا أبو القاسم عمر بن سيف الكاتب، قال: في كتابي عن عبد الصمد بن المهدي قال: لما دخل المأمون بغداد ‌نادي ‌بترك ‌الأمر ‌بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك أن الشيوخ كانوا ببغداد يحبسون ويعاقبون في المحال، فنادى بذلك؛ لأن الناس قد اجتمعوا، قال: فدخل أبو نعيم بغداد في ذلك الوقت، فنظر إلى رجل من الجند قد أدخل يده بين فخذي امرأة، فزجره أبو نعيم، فتعلق الجندي بأبي نعيم ودفعه إلى صاحب الشرطة، وصاحب الشرطة يومئذ عباس، وصاحب الخبر أبو عباد، فكتب بخبره إلى المأمون، فأمر بحمله إليه.قال أبو نعيم: فأدخلت عليه، وقد صلى الغداة، وهو يسبح بحب فيه شيء من فضة، فسلمت عليه، فرد السلام في خفية، فبينا أنا قائم إذ أتي غلام بطشت وإبريق، فنحاني من بين يديه، وأجلسني حيث ينظر، وقال لي: توضأ.

قال: فأخذت الإناء وتوضأت كما حدثنا الثوري حديث عبد خير عن علي -رضي الله عنه-، ثم جيء بحصير فطرح لي، فقمت فصليت ركعتين، كما روى عن أبي اليقظان عمار بن ياسر أنه صلى ركعتين، فأوجز فيهما، ثم صاح بي إليه فجئت، فأمر بي فجلست، فقال: ما تقول في رجل مات وخلف أبويه؟ قلت: لأمه الثلث، وما بقي فلأبيه.

قال: فخلف أبويه وأخاه؟ قلت: فلأمه الثلث، وما بقي فلأبيه، وسقط أخوه.

قال: فخلف أبويه وأخوين؟ قلت: فلأمه السدس، وما بقي فلأبيه.

فقال لي: في قول الناس كلهم؟ قلت: لا، في قول الناس كلهم، إلا في قول جدك، فإنه ما حجبها عن الثلث إلا بثلاثة إخوة.

قال: يا هذا، من نهي مثلك أن يأمر بالمعروف؟ ! إنما نهينا أقواما يجعلون المعروف منكرا.

قال: قلت: فليكن في ندائك: لا يأمر بالمعروف إلا من أحسن أن يأمر به.

فقال لي: انصرف.

أو كما قال

أحاديث ذات صلة