إنِّي ممسكٌ بحُجَزِكم عن النَّارِ هلمَّ عن النَّارِ هلمَّ عن النَّارِ وتغلبونني تَقاحمون فيه تقاحُمَ الفراشِ أو الجنادِبِ فأوشِكُ أن أرسلَ بحُجَزِكم وأنا فرَطُكم على الحوضِ فترِدون عليِّ معًا وأشتاتًا فأعرفُكم بسيماكم وأسمائِكم كما يعرِفُ الرَّجلُ الغريبةَ من الإبلِ في إبلِه ويُذهبُ بكم ذاتَ الشِّمالِ وأُناشدُ فيكم ربَّ العالمين فأقولُ أيْ ربِّ قوْمي أيْ ربِّ أمَّتي فيقولُ يا محمَّدُ إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدَك إنَّهم كانوا يمشون بعدك القهقرَى على أعقابِهم فلا أعرفنَّ أحدَكم يومَ القيامةِ يحمِلُ شاةً لها ثغاءٌ فينادِي يا محمَّدُ يا محمَّدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يومَ القيامةِ يحمِلُ بعيرًا له رغاءٌ فينادي يا محمَّدُ يا محمَّدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يومَ القيامةِ يحملُ فرسًا له حمحمةٌ فينادي يا محمَّدُ يا محمَّدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُكَ فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يومَ القيامةِ يحمِلُ سقاءً من أدمٍ ينادي يا محمَّدُ يا محمَّدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئًا قد بلَّغتُك [ وفي روايةٍ ] قشعًا مكان سقاءٍ

الدلالات الموضوعية:# زكاة - المعتدي في الصدقة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - شفقته على أمته# قيامة - الحوض# زكاة - عقوبة مانع الزكاة# اعتصام بالسنة - ما جاء في أصحاب البدع
المصدر: الترغيب والترهيب
الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: المنذري
الحكم:إسنادهما جيد إن شاء الله

الشرح والتوضيح

أُرسِل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَحمةً لنا؛ فهو الرَّحمةُ المُهداةُ، ما من خَيرٍ إلَّا دَلَّنا عليه، وما من شَرٍّ إلَّا حَذَّرَنا منه، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حريصًا على هدايةِ أمَّتِه كُلِّهم، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وممَّا جاءَ في حِرصِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أمَّتِه أنَّه قال: إنِّي مُمسِكٌ بحُجَزِكُم، والحُجَزُ جَمعُ حُجْزةٍ، وهي مَعقِدُ الإزارِ والسَّراويلِ، ومَن أرادَ أن يَأخُذَ أحَدًا بقوَّةٍ ويُبعِدَه عن شَيءٍ، يَأخُذُ بحُجزَتِه ويَجُرُّه حتَّى يُبعِدَه عن ذلك الشَّيءِ، يَعني: أنا أجُرُّكُم حتَّى أبعِدَكُم عنِ النَّارِ، وأقولُ: هَلُمَّ عنِ النَّارِ هَلُمَّ عنِ النَّارِ، أي: تَعالَوا وابتَعِدوا عنِ النَّارِ، ولكِنَّكُم تَغلبونَني فتقاحمون أي: فتُقدِمونَ وتَقَعونَ في النَّارِ، وتُلقونَ أنفُسَكُم في نارِ جَهَنَّمَ بفِعل المَعاصي؛ فالتَّقَحُّمُ هو الإقدامُ والوُقوعُ في الأمورِ الشَّاقَّةِ من غَيرِ تَثَبُّتٍ، كما تَقاحَمُ -أي: يُقدِمُ- الفَراشُ، وهو الذي يَطيرُ كالبَعوضِ، أوِ الجَنادِبُ وهو الصَّرَّارُ الذي يُشبِهُ الجَرادَ، يَطيرُ ويَصُرُّ باللَّيل صَرًّا شَديدًا، فيَقَعُ في النَّارِ، فشَبَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَساقُطَ الجاهلينَ والمُخالفينَ بمَعاصيهم وشَهَواتِهم في نارِ الآخِرةِ، وحِرصَهم على الوُقوعِ في ذلك مَعَ مَنعِه إيَّاهم وقَبضِه على مَواضِعِ المَنعِ منهم بتَساقُطِ الفَراشِ في نارِ الدُّنيا لهَواه وضَعفِ تَمييزِه، وكِلاهما حَريصٌ على هَلاكِ نَفسِه ساعٍ في ذلك لجَهلِه.

فأُوشِكَ أن أرسِلَ -أي: أن أترُكَ- بحُجَزِكُم، وذلك يَعني مَوتَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ففي رِوايةٍ أخرى: فإذا أنا مُتُّ تَرَكتُكُم، فلا يَملِكُ لنا منَ اللهِ شيئًا، ثمَّ بَيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه إذا ماتَ فإنَّه سيَكونُ فَرَطًا لنا على الحَوضِ، أي: متقَدِّمًا وسابقًا لنا على الحَوضِ، والفارِطُ: هو الذي يَتَقدَّمُ الوارِدَ ليُصلِحَ لهمُ الحياضَ والدِّلاءَ ونَحوَها من أمورِ الاستِقاءِ، فمَعنى: فَرَطُكُم على الحَوضِ: سابِقُكُم إليه كالمُهَيِّئِ له، فتَرِدُ عليه أمَّتُه معًا: أي: جميعًا، وأشتاتًا، أي: مُتَفرِّقينَ، فيَعرِفُنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسيمانا، أي: بعَلاماتٍ علينا، وبأسمائِنا، كما يَعرِفُ الرَّجُلُ الإبِلَ الغَريبةَ منَ الإبِلِ في إبِلِه، والإبِلُ الغَريبةُ هي التي تَدخُلُ مَعَ إبِلِ الرَّجُلِ عِندَ السَّقيِ وليست منها، ثمَّ إنَّه يُذهَبُ بهم ذاتَ الشِّمالِ، أي: إلى النَّارِ، فيُناشِدُ رَبَّ العالمينَ، أي: يَرفعُ صَوتَه، ويَقولُ: أيْ رَبِّ، هؤلاء قَومي، هؤلاء أمَّتي! فيَقولُ اللهُ تعالى: يا مُحَمَّدُ، إنَّك لا تَدري ما أحدَثوا بَعدك! ومن ذلك أنَّهم كانوا يَمشونَ بَعدك القَهقَرَى، وهو المَشيُ إلى خَلفٍ من غَيرِ أن يُعيدَ وَجهَه إلى جِهةِ مَشيِه، على أعقابِهم، جَمعُ عَقِبٍ، وهو مُؤَخَّرُ القدَمِ، أي: راجِعينَ إلى الكُفرِ، كأنَّهم رَجَعوا إلى ورائِهم، ومَعناه الارتِدادُ عَمَّا كانوا عليه في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ثمَّ حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه منَ الغُلولِ في الغَنيمةِ، وهو الأخذُ منها قَبلَ تَقسيمِها، فقال: فلا أعرِفنَّ أحَدَكُم يَومَ القيامةِ يَحمِلُ شاةً لها ثُغاءٌ، وهو صياحُ الغَنَمِ، فيُنادي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ! فأقولُ: لا أملكُ لك شَيئًا، قد بلَّغْتُك، فلا أعرِفَنَّ أحَدَكُم يَأتي يَومَ القيامةِ يَحمِلُ بَعيرًا له رُغاءٌ، وهو صَوتُ الإبِلِ، فيُنادي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ! فأقولُ: لا أملِكُ لك شَيئًا، قد بلَّغتُك، فلا أعرِفَنَّ أحَدَكُم يَأتي يَومَ القيامةِ يَحمِلُ فرَسًا له حَمحَمةً، وهو صَوتُ الفرَسِ دونَ الصَّهيلِ، فيُنادي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ! فأقولُ: لا أملكُ لك شَيئًا، قد بلَّغْتُك، فلا أعرِفَنَّ أحَدَكُم يَأتي يَومَ القيامةِ يَحمِلُ سِقاءً، وهو إناءٌ يُشرَبُ فيه مِن أدَمٍ، أي: من جِلدٍ، يُنادي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ! فأقولُ: لا أملِكُ لك شَيئًا قد بلَّغتُك، وفي رِوايةٍ: (قَشْعًا) مَكانَ (سِقاءً)، أي: جِلدًا يابسًا، وقيل: أرادَ القِربةَ الباليةَ، وهو إشارةٌ إلى الخيانةِ في الغَنيمةِ أو غَيرها منَ الأعمالِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ رَحمةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشَفقَتِه على أمَّتِه.

وفيه الحَذَرُ ممَّا يوقِعُ في جَهَنَّمَ.

وفيه بَيانُ كَثرةِ مَن يَقَعُ في المَعاصي.

وفيه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سابِقٌ لنا على الحَوضِ.

وفيه مَعرِفةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأمَّتِه من بَينِ الأمَمِ.

وفيه مُناشَدةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرَبِّه لمَن أُخِذَ به ذاتَ الشِّمالِ.

وفيه خُطورةُ الانتِكاسةِ بَعدَ مَعرِفةِ الهدايةِ.

وفيه التَّحذيرُ مِن أخذِ شَيءٍ منَ الغَنيمةِ؛ فإنَّه سَوف يَحمِلُه الشَّخصُ على عُنُقِه يَومَ القيامةِ .

أحاديث ذات صلة