شيَّعْنا جُندِبًّا إلى حصنِ المكاتبِ ، فقُلْنا له : أوصِنا ، فقال : عليكم بالقُرآنِ ؟ فإنه نورُ الليلِ المُظلِمِ ، وهُدَى النهارِ ، فاعمَلوا به على ما كان مِن جهدٍ وفاقَةٍ ، فإن عرَض بلاءٌ فقدِّمْ مالَكَ دونَ نفسِكَ ، فإنْ تَجاوَز البلاءُ فقدِّمْ مالَكَ ونفسَكَ دونَ دِينِكَ ، فإنَّ المحروبَ ، مَن حُرِبَ دينُه ، وإنَّ المسلوبَ مَن سُلِب دينُه ، وإنه لا غِنًى بغِنًى بعدَه النارُ ، ولا فَقرَ بفَقرٍ بعدَه الجنةُ ، إنَّ النارَ لا يُفَكُّ أسيرُها ، ولا يَستَغني فقيرُها
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (1642) ، وأحمد في ((الزهد)) (1126)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (2315) بلفظ مقارب
كان السَّلَفُ يَحرِصونَ على طَلَبِ الوصيَّةِ من عُلمائِهم وكِبارِهم لعَلَّهم يَنتَفِعونَ بها، فكان الأخيارُ منَ العُلماءِ يوصونَهم بما فيه خَيرُهم في الدُّنيا والآخِرةِ، ويَحُضُّونَهم على الاهتِمامِ بالقُرآنِ، ومَن عَرَض له بلاءٌ فيَحرِصُ أن يُقدِّمَ المالَ على النَّفسِ، ويُقدِّمَ الدِّينَ على النَّفسِ والمالِ، ومن تلك الوصايا وصيَّةُ الصَّحابيِّ الجَليلِ جُندَبِ بنِ عَبدِ اللَّهِ البَجَليِّ لأصحابِه، يَقولُ يونُسُ بنُ جُبَيرٍ، وهو أحَدُ التَّابعينَ: إنَّهم شَيَّعوا جُندَبَ بنَ عَبدِ اللَّهِ البَجَليَّ، أي: تَبعوه ومَشَوا مَعَه يُرافِقونَه إلى حِصنِ المكاتبِ، ثمَّ طَلبوا منه الوصيَّةَ، فقالوا: أوصِنا، فقال جُندَبٌ رَضِيَ اللهُ عنه: عليكُم بالقُرآنِ، أي: الزَموا قِراءةَ القُرآنِ والقيامَ به في اللَّيلِ، والتَّمَسُّكَ به والعَمَلَ به، وامتِثالَ أوامِرِه واجتِنابَ نَواهيه؛ وذلك لأنَّ القُرآنَ نورُ اللَّيلِ المُظلِمِ، أي: القيامُ بالقُرآنِ في اللَّيلِ كالضِّياءِ للمُؤمنِ في ظُلمةِ اللَّيلِ، وهدى النَّهارِ، أي: يهدي صاحِبَه إلى الخَيرِ والفلاحِ والصَّلاحِ، ثمَّ أوصاهم جُندَبٌ بأن يَعمَلوا بالقُرآنِ على ما بهم من جَهدٍ -أي: مَشَقَّةٍ- وفاقةٍ -أي: حاجةٍ وفَقرٍ.
ومن عَرَض له بلاءٌ فعليه أن يُقدِّمَ مالَه دونَ نَفسِه؛ فالنَّفسُ مُقدَّمةٌ على المالِ، وحِفظُ النَّفسِ مُقدَّمٌ على حِفظِ المالِ، وإن تَجاوَزَ البلاءُ، أي: زادَ وتَعَدَّى حتَّى إنَّه قد يَشمَلُ الدِّينَ، فعليه بتَقديمِ مالِه ونَفسِه دونَ دينِه؛ فالدِّينُ مُقدَّمٌ على النَّفسِ والمالِ؛ فإنَّ مَن خَسِرَ دَينَه فلن يَنفعَه مالُه ولا نَفسُه، فإنَّ المَحروبَ -أي: المَسلوبَ المنهوبَ- مَن حُرِبَ دِينَه -أي: مَن سُلِبَ دينَه، وإنَّ المَسلوبَ مَن سُلِبَ دينَه، وإنَّه لا غِنى بغِنًى بَعدَه النَّارُ؛ لأنَّه مَهما كان غنيًّا فإنَّ عَذابَ النَّارِ يُنسيه كُلَّ ذلك الغِنى، ولا فَقرَ بفقرٍ بَعدَه الجَنَّةُ؛ لأنَّ نَعيمَ الجَنَّةِ يُنسيه ما حَصَل له منَ الفقرِ والتَّعَبِ في الدُّنيا؛ وذلك لأنَّ النَّارَ لا يُفَكُّ أسيرُها، أي: النَّارُ مُلازِمةٌ لصاحِبِها.
ولا يَستَغني فقيرُها، أي: لا يَحصُلُ له غِنًى مَهما عَمِلَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ طَلَبِ الوصيَّةِ منَ الصَّالحينَ.
وفيه أنَّ القُرآنَ نورٌ وهُدًى.
وفيه تَقديمُ الأهَمِّ فالأهَمِّ؛ فالدِّينُ مُقدَّمٌ على النَّفسِ والمالِ، والنَّفسُ مُقدَّمةٌ على المالِ.
وفيه بَيانُ أنَّ المَسلوبَ في الحَقيقةِ هو من سُلِبَ دِينَه وضَيَّعَه.
وفيه بَيانُ أنَّ أيَّ نَعيمٍ وغِنًى يَكونُ بَعدَه النَّارُ فهو لا يَنفَعُ