نَعَمْ ، وفيها شجرةٌ تُدْعَى طوبى ، هيَ تُطَابِقُ الفِرْدَوْسَ فقال : أَيَّ شَجَرَةِ أرضِنا تُشْبِهُ ؟ قال : ليس تُشْبِهُ من شَجَرِ أرضِكَ ، ولكنْ أَتَيْتَ الشَّامَ ؟ قال : لا يا رسولَ اللهِ ! قال : فإنَّها تُشْبِهُ شجرةً بِالشَّامِ تُدْعَى ( الجَوْزَةَ ) ، تَنْبُتُ على ساقٍ واحدٍ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أَعْلاها .
قال : فما ( عِظَمُ ( أَصْلِها ؟ قال : لَوِ ارْتَحَلْتَ جَذَعَةً من إِبِلِ أهلِكَ ، لما قطعْتَها حتى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُها هَرَمًا .
قال : فيها عِنَبٌ ؟ قال : نَعَمْ قال : فما عِظَمُ العُنْقُودِ مِنْها ؟ قال : مَسِيرَةُ شهرٍ لِلْغُرَابِ الأَبْقَعِ ، لا يقعُ ولا يَنْثَنِي ولا يَفْتُرُ .
قال : فما عِظَمُ الحَبَّةِ مِنْهُ ؟ قال : هل ذبحَ أبُوكَ من غنمةٍ تَيْسًا عَظِيمًا ؟ قال : نَعَمْ قال : فَسَلَخَ إِهابَهُ ، فَأعطاهُ أُمَّكَ ؟ فقال : أدْبِغِي هذا ، ثُمَّ افْرِي لَنا مِنْهُ ذنُوبًا نَرْوِي بهِ ماشِيَتَنا ؟ قال : نَعَمْ قال : فإنَّ تِلْكَ الحَبَّةَ تُشْبِعُنِي وأهلَ بَيْتي ؟ فقال النبِيُّ : وعَامَّةَ عَشِيرَتِكَ
أخرجه أحمد (17642)، والطبراني (17/ 126) (312)، وعبد الرزاق في ((الأمالي)) (132) واللفظ لهم جميعا.
الجَنَّةُ دارُ النَّعيمِ المُقيمِ، وفيها ما لا عَينٌ رَأت ولا أذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، وليس في الدُّنيا ممَّا في الجَنَّةِ إلَّا الأسماءُ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثيرًا ما يَذكُرُ للصَّحابةِ أوصافَ الجَنَّةِ وما فيها حتَّى يَتَشَوَّقوا إليها فيَجتَهدوا في الأعمالِ الصَّالحاتِ، وقد جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وسَأله عن بَعضِ ما يَكونُ في الجَنَّةِ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، فيها فاكِهةٌ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، وفيها شَجَرةٌ تُدعى طوبى، هي تُطابقُ الفِردَوسَ.
فقال الأعرابيُّ: أيَّ شَجَرةِ أرضِنا تُشبِهُ؟ يَعني: شَجَرةُ طوبى ماذا تُشبِهُ من شَجَرِنا في الدُّنيا؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس تُشبِهُ من شَجَرِ أرضِك، ولكِن هل أتَيتَ الشَّامَ؟ قال الأعرابيُّ: لا يا رَسولَ اللهِ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإنَّها -أي: شَجَرةَ طوبى- تُشبِهُ شَجَرةً بالشَّامِ تُدعى الجَوزةَ، وهي شَجَرةٌ تَنبُتُ على ساقٍ واحِدٍ، ثمَّ يَنتَشِرُ أعلاها.
فقال الأعرابيُّ: فما عِظَمُ أصلِها؟ أي: أخبِرْني عن كِبَرِ جِذرِها وقاعِدَتِها في الأرضِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لوِ ارتَحَلَت جَذَعةٌ من إبِلِ أهلِك -وأصلُ الجَذعِ من أسنانِ الدَّوابِّ، وهو ما كان منها شابًّا فتيًّا، ومنَ الإبِلِ: ما دَخَل في السَّنةِ الخامِسةِ- لَمَا قَطَعَتْها حتَّى تَنكَسِرَ تَرْقُوتُها هَرَمًا.
والتَّرقُوةُ: هي العَظمُ الذي بَينَ ثُغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، والمَعنى أنَّها شَجَرةٌ عَظيمةٌ بحَيثُ إنَّ الجَذَعةَ الفَتيَّةَ من الإبِلِ لا تَستَطيعُ قَطعَ هذه المَسافةِ كُلِّها حتَّى تَنكَسِرَ تَرْقُوتُها هَرَمًا من شِدَّةِ التَّعَبِ وكِبَرِ المَسافةِ! ثمَّ قال الأعرابيُّ: فهل في الجَنَّةِ عِنَبٌ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم.
فقال الأعرابيُّ: فما عِظَمُ العُنقودِ منها؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَسيرةَ شَهرٍ للغُرابِ الأبقَعِ، وهو ما خالطَ بَياضَه لونٌ آخَرُ، لا يَقَعُ -أي: على الأرضِ- ولا يَنثَني عن وِجهَتِه ويَرجِعُ، ولا يَفتُرُ، أي: يَمَلُّ.
قال الأعرابيُّ: فما عِظَمُ الحَبَّةِ منه؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هل ذَبَحَ أبوك مَن غَنَمِه تيسًا عظيمًا؟ قال: نَعَم.
قال: فسَلخَ إهابَه -أي: جِلدَه- فأعطاه أمَّك، فقال: ادبُغي هذا، ثمَّ افري -أي: شُقِّي- واصنَعي لنا منه ذَنوبًا -وهي الدَّلوُ العَظيمةُ- نَروي به ماشيَتَنا؟ قال: نَعَم.
ثمَّ قال الأعرابيُّ: هل تلك الحَبَّةُ منَ العِنَبِ تُشبِعُني وأهلَ بَيتي؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وعامَّةَ عَشيرَتِك! أي: تُشبعُك وعامَّةَ قَبيلتِك.
وفي الحَديثِ عِظَمُ نَعيمِ الجَنَّةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّشبيهِ للتَّقريبِ للسَّامِعينَ .