قلْتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ: أَقرَأُ خلْفَ الإمامِ؟ قال: تُجزِئُكَ قِراءةُ الإمامِ.
قلْتُ: رَكعتَيِ الفَجرِ، أُطِيلُ فيهما القِراءةَ؟ قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي صَلاةَ اللَّيلِ مَثْنَى مَثنَى، قال: قلْتُ: إنَّما سألْتُكَ عن رَكعتَيِ الفَجرِ، قال: إنَّك لَضَخْمٌ! ألَسْتَ تَراني أَبتدِئُ الحديثَ؟! كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي صَلاةَ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فإذا خَشيَ الصُّبحَ أَوتَرَ برَكعةٍ، ثمَّ يَضَعُ رأسَهُ، فإنْ شِئتَ قلْتَ: نامَ، وإنْ شِئتَ قلْتَ: لم يَنَمْ، ثمَّ يَقومُ إلَيهِما والأَذانُ في أُذُنَيهِ، فأيُّ طُولٍ يَكونُ ثَمَّ؟! قلْتُ: رجُلٌ أَوْصى بمالٍ في سبيلِ اللهِ، أَيُنْفَقُ مِنهُ في الحجِّ؟ قال: أمَا إنَّكُم لو فَعَلْتُم كان مِن سبيلِ اللهِ.
قال: قلْتُ: رجُلٌ تَفوتُه رَكعةٌ مع الإمامِ، فسَلَّمَ الإمامُ، أيَقومُ إلى قَضائِها قبْلَ أنْ يَقومَ الإمامُ؟ قال: كان الإمامُ إذا سَلَّمَ قامَ.
قلْتُ: الرَّجُلُ يَأخُذُ بالدَّينِ أَكثَرَ مِن مالِه؟ قال: لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَومَ القِيامةِ عِندَ اسْتِه، على قَدْرِ غَدْرتِه.
أخرجه البخاري (1137)، ومسلم (749)، وأبو داود (1326)، والترمذي (437)، والنسائي (1694)، وابن ماجه (1320) مختصراً، وأحمد (5096) واللفظ له
من طُرُقِ طَلَبِ العِلمِ والحَديثِ عِندَ السَّلَفِ سُؤالُ أهلِ العِلمِ عَمَّا أشكَلَ عليهم من مَسائِلِ العِلمِ، كُلُّ ذلك حرصًا منهم على العِلمِ وعلى التَّفقُّهِ في الدِّينِ، وكان العُلماءُ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ يُجيبونَ مَن سَألهم عن ذلك بما أخَذوه وتَلقَّوه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي هذا الحَديثِ بَعضُ المَسائِلِ سَألها أنَسُ بنُ سِيرينَ -وهو أحَدُ التَّابعينَ أخو مُحَمَّدِ بنِ سِيرينَ- ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، وهي مَسائِلُ مُتَعلِّقةٌ بالصَّلاةِ والحَجِّ والأخذِ في الدَّينِ بأكثَرَ ممَّا أخَذَ، فيَقولُ لابنِ عُمَرَ: هل يَصِحُّ أن أقرَأَ خَلفَ الإمامِ في الصَّلاةِ، وكأنَّه يَعني بذلك قِراءةَ الفاتِحةِ؛ لأنَّ قِراءةَ الفاتِحةِ رُكنٌ من أركانِ الصَّلاةِ، ولكن هل يَشمَلُ هذا القراءةَ في الصَّلاةِ مَعَ الإمامِ أم أنَّ قِراءةَ الإمامِ قِراءةٌ لمَن خَلفَه؟ فقال له ابنُ عُمَرَ: إنَّه تُجزِئُه قِراءةُ الإمامِ.
ثمَّ سَأله عن الإطالةِ في القِراءةِ في رَكعَتي سُنَّةِ الفَجرِ، فأرادَ ابنُ عُمَرَ أن يُبَيِّنَ له تفصيلًا أكثَرَ في هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صَلاةِ اللَّيلِ، ثمَّ رَكعَتي الفجرِ، فقال له: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي صَلاةَ اللَّيلِ مَثنى مَثنى، فقاطَعَه ابنُ سيرينَ: إنِّي لم أسأَلْك عن صَلاةِ اللَّيلِ، وإنَّما عن رَكعَتي الفجرِ، فقال له ابنُ عُمَرَ: إنَّك لضَخمٌ؛ إشارةً منه إلى البلادةِ والغَباوةِ وسوءِ الأدَبِ؛ لمُداخَلتِه له في الكَلامِ وتَركِه تَمامَه، وقَطعِه عليه، فهو يُريدُ أن يَبدَأَ الحَديثَ من هَديِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قيامِ اللَّيلِ وأنَّه كان يُصَلِّي في اللَّيلِ مَثنى مَثنى، أي: رَكعَتَينِ رَكعَتَينِ وهَكَذا، فإذا خَشيَ -أي: خاف- قُربَ طُلوعِ الفَجرِ أوتر برَكعةٍ حتَّى يَكونَ آخِرَ صَلاتِه باللَّيل الوِترُ، ثمَّ يَستَلقي ويَضَعُ رَأسَه على الفِراشِ حتَّى يَرتاحَ قليلًا من قيامِ اللَّيلِ؛ فقد يَكونُ نام وقد يَكونُ لم يَنَمْ، وإنَّما يَنتَظِرُ أذانَ الفجرِ، فإذا أُذِّنَ صَلَّى رَكعَتي الفجرِ رَكعَتَينِ خَفيفتَينِ حتَّى كأنَّ الأذانَ في أذُنَيه، أي: من شِدَّةِ تَخفيفِ الرَّكعَتَينِ، والمُرادُ: بالأذانِ هنا الإقامةُ؛ لأنَّه عن هذا كان سُؤالُ السَّائِلِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ هناكَ تَطويلٌ لرَكعَتي الفجرِ.
ثمَّ سَأله عَمَّن أوصى بمالِه في سَبيلِ اللهِ، هل يَتَعَيَّنُ إنفاقُه في الجِهادِ أم يَجوزُ في الحَجِّ أيضًا؟ فأجابَ: بأنَّ الحَجَّ من سَبيلِ اللهِ، وأنَّ سَبيلَ اللهِ عامٌّ يَشمَلُ الجِهادَ والحَجَّ أيضًا.
ثمَّ سَأله عَمَّن فاتَته رَكعةٌ مَعَ الإمامِ متى يَقومُ لقَضائِها: هل قَبل أن يَقومَ الإمامُ من مَجلسِه بَعدَ الانتِهاءِ من الصَّلاةِ؟ فقال ابنُ عُمَر: إنَّه يَقومُ إذا سَلَّمَ الإمامُ؛ لأنَّه بسَلامِ الإمامِ انتَهى الاقتِداءُ بالإمامِ.
ثمَّ سَأله عَمَّن أخَذَ مالَ دَينِه الذي على النَّاسِ أكثَرَ ممَّا أعطاهم؟ فأجابَه بأنَّ هذا من الغَدرِ، والغادِرُ هو الذي يَقولُ قَولًا ولا يَفي به، فتُنصَبُ له رايةٌ عِندَ دُبُرِه يَومَ القيامةِ، وذلك لأنَّ القَرضَ إحسانٌ وبرٌّ وتَنفيسٌ عن المَكروبِ، فإذا أخَذَ أكثَرَ ممَّا أعطى فقد ناقَضَ فعلُه قَولَه، فكان غادِرًا، واستَحَقَّ هذه العُقوبةَ يَومَ القيامةِ.
وفي الحَديثِ: أنَّ قِراءةَ الإمامِ قِراءةٌ لمَن خَلفَه.
وأنَّ قيامَ اللَّيلِ رَكعَتَينِ رَكعَتَينِ.
وفيه أنَّ رَكَعَتي الفجرِ تَكونُ خَفيفةً جِدًّا.
وفيه أنَّ الحَجَّ من سَبيلِ اللهِ.
وفيه أنَّ انتِهاءَ صَلاةِ الإمامِ يكونُ بتَسليمِه، وللمَأمومِ بَعدَها القيامُ لإكمالِ ما فاتَه.
وفيه أنَّ أخذَ الزِّيادةِ أكثَرَ من الدَّينِ من الغَدرِ.
وفيه أهَمِّيَّةُ سُؤالِ أهلِ العِلمِ فيما استُشكِل على المُتَعلِّمِ.
وفيه أنَّ من آدابِ طالِبِ العِلمِ عَدَمَ مُقاطَعةِ شَيخِه في حَديثِه، والصَّبرَ حتَّى يَنتَهيَ من إكمالِ دَرسِه.
وفيه جَوابُ السَّائِلِ بأكثَرَ ممَّا سَأل عنه إذا كان ممَّا يُحتاجُ إليه.
[صحيح البخاري] (2/ 51) 1137- حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((إن رجلا قال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة))
[صحيح مسلم] (1/ 516 ) 147- (749) وحدثني حرملة بن يحيى.
حدثنا عبد الله بن وهب.
أخبرني عمرو؛ أن ابن شهاب حدثه؛ أن سالم بن عبد الله ابن عمر وحميد بن عبد الرحمن بن عوف حدثاه، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ؛ أنه قال
قام رجل فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((صلاة الليل مثنى مثنى.
فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة))
[سنن أبي داود] (2/ 36) 1326- حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى))
[سنن الترمذي] (2/ 300) 437- حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة، واجعل آخر صلاتك وترا)): وفي الباب عن عمرو بن عبسة: ((حديث ابن عمر حديث حسن صحيح)) والعمل على هذا عند أهل العلم: أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق
[مسند أحمد] (9/ 112 ط الرسالة) 5096- حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا أبي، عن أنس بن سيرين، قال: قلت لعبد الله بن عمر : أقرأ خلف الإمام؟؟ قال: تجزئك قراءة الإمام.
قلت: ركعتي الفجر، أطيل فيهما القراءة؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل مثنى مثنى، قال: قلت: إنما سألتك عن ركعتي الفجر! قال: إنك لضخم!! ألست تراني أبتدئ الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح أوتر بركعة، ثم يضع رأسه، فإن شئت قلت: نام، وإن شئت قلت: لم ينم، ثم يقوم إليهما والأذان في أذنيه، فأي طول يكون ثم؟!
قلت: رجل أوصى بمال في سبيل الله، أينفق منه في الحج؟ قال: أما إنكم لو فعلتم كان من سبيل الله.
قال: قلت: رجل تفوته ركعة مع الإمام، فسلم الإمام، أيقوم إلى قضائها قبل أن يقوم الإمام؟ قال: كان الإمام إذا سلم، قام.
قلت: الرجل يأخذ بالدين أكثر من ماله؟ قال: لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه على قدر غدرته