وأدرَكَهُ وفدُ هوازنَ بالجِعرانةِ وقد أسلموا، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا أَهْلٌ وعشيرةٌ قد أصابَنا منَ البلاءِ ما لم يَخفَ عليكَ، فامنُنْ علينا منَّ اللَّهُ عليكَ، وقامَ خطيبُهُم زُهَيْرُ بنُ صُردَ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ اللَّواتي في الحظائرِ منَ السَّبايا خالاتُكَ وعمَّاتُكَ وحواضنُكَ، واللَّاتي كنَّ يَكْفلنَكَ، وأنتَ خيرُ مَكْفولٍ ثمَّ أنشدَهُ الأبياتَ المشهورةَ أولها: امنُنْ علينا رسولَ اللَّهِ في كرَمٍ* فإنَّكَ المرءُ نرجوهُ وندَّخرُ* يقولُ فيها: امنُنْ على نسوةٍ قد كنتَ تَرضَعُها* إذ فوكَ تملؤُهُ من مَحضِها الدُّررُ* ثمَّ ساقَ القصَّةَ

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - أخلاق النبي# مغازي - المن على وفود هوازن بأسراهم# جهاد - الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسارى والسبي# شعر - استماع النبي للشعر وإنشاده في المسجد# مغازي - غزوة حنين
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: [جد عمرو بن شعيب]
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه البيهقي (18129) واللفظ له، وأبو داود (2694)، والنسائي (3688) بنحوه.

الشرح والتوضيح

كنَّا عندَ رسولِ اللَّهِِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذ أتتهُ وفدُ هَوازنَ ، فقالوا : يا محمَّدُ ، إنَّا أصلٌ وعشيرةٌ ، وقد نزلَ بنا منَ البلاءِ ما لا يخفَى علَيكَ ، فامنُنْ علَينا مَنَّ اللَّهُ علَيكَ ، فقالَ : اختاروا مِن أموالِكُم أو مِن نسائِكُم وأبنائِكُم ، فقالوا : قد خَيَّرتَنا بينَ أحسابِنا وأموالِنا بل نختارُ نساءَنا وأبناءَنا ، فقالَ رسولُ اللَّهِ أمَّا ما كانَ لي ولبَني عبدِ المطَّلبِ فَهوَ لَكُم ، فإذا صلَّيتُ الظُّهرَ فقوموا ، فقولوا : إنَّا نستَعينُ برسولِ اللَّهِِ علَى المؤمنينَ أوِ المسلمينَ في نسائِنا وأبنائِنا فلمَّا صلَّوا الظُّهرَ قاموا فقالوا ذلِكَ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ فما كانَ لي ولبَني عبدِ المطَّلبِ فَهوَ لَكُم ، فقالَ المُهاجرونَ : وما كانَ لَنا فَهوَ لرسولِ اللَّهِِ وقالتِ الأنصارُ : ما كانَ لَنا فَهوَ لرسولِ اللَّهِِ فقالَ الأقرعُ بنُ حابسٍ : أمَّا أنا وبنو تَميمٍ فلا ، وقالَ عُيَيْنةُ بنُ حصنٍ : أمَّا أنا وبنو فَزارةَ فلا ، وقالَ العبَّاسُ بنُ مِرداسٍ : أمَّا أنا وبنو سُلَيْمٍ فلا ، فقامت بنو سُلَيْمٍ فقالوا : كذبتَ ، ما كانَ لَنا فَهوَ لرسولِ اللَّهِِ فقالَ رسولُ اللَّهِ يا أيُّها النَّاسُ ، ردُّوا علَيهِم نساءَهُم وأبناءَهُم ، فمَن تمسَّكَ مِن هذا الفَيءِ بشيءٍ فلَهُ ستُّ فرائضَ مِن أوَّلِ شيءٍ يفيئُهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ علَينا ، ورَكِبَ راحلتَهُ ورَكِبَ النَّاسُ اقسِمْ علَينا فَيئَنا ، فألجَئُوهُ إلى شجرةٍ فخَطَفَت رداءَهُ ، فقالَ : يا أيُّها النَّاسُ ، ردُّوا علَيَّ رِدائي ، فواللَّهِ لَو أنَّ شجرَ تِهامةَ نَعمًا قسَمتُهُ علَيكُم ثمَّ لم تَلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا ، ثمَّ أتَى بعيرًا فأخذَ مِن سَنامِهِ وَبَرَةً بينَ إصبَعَيهِ ثمَّ يقولُ : ها إنَّهُ لَيسَ لي منَ الفَيءِ شيءٌ ولا هذِهِ إلَّا خُمُسٌ ، والخُمُسُ مَردودٌ فيكُم فقامَ إلَيهِ رجلٌ بِكُبَّةٍ مِن شَعرٍ فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، أخذتُ هذِهِ لأُصْلِحَ بِها بَردَعةَ بعيرٍ لي فقالَ : أمَّا ما كانَ لي ولبَني عبدِ المطَّلبِ فَهوَ لَكَ ، فقالَ : أوَ بلَغَت هذِهِ ؟ فلا أرَبَ لي فيها ، فنبذَها وقالَ : يا أيُّها النَّاسُ ، أدُّوا الخِياطَ والمَخيطَ ، فإنَّ الغَلولَ يَكونُ علَى أهلِهِ عارًا وشَنارًا يَومَ القيامةِ الراوي : عبدالله بن عمرو المحدث : الألباني المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم: 3690 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه النسائي (3688) واللفظ له، وأحمد (6729) باختلاف يسير أحلَّ اللهُ الغَنيمةَ لنَبيِّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وأُمَّتِه، وحدَّد كيفيَّةَ تَقسيمِها؛ فتقسَّمُ قِسمين: الأولُ: الخمسُ وهو للهِ ورَسُولِه ويُعطَى منه ذوو قُربى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم واليتامى والمساكينُ وابنُ السَّبيلِ، والقِسم الثَّاني: وهو باقي الغنائم ويُوزَّعُ على المقاتلين، وقد حرَّم اللهُ الغُلولَ والسَّرِقةَ مِنها.

وفي هذا الحَديثِ يَحكي عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو رَضِي اللهُ عَنهما، أنَّهم كانوا عندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "إذ أتَتْه وفدُ هَوازِنَ"، أي: جماعةٌ مِن قَبيلةِ هَوازِنَ، وكانوا قد قاتَلوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في حُنينٍ بعدَ فتْحِ مكَّةَ، وحُنينٌ وادٍ وراءَ عرَفةَ، دونَ الطَّائفِ، وقيل: بينَه وبينَ مكَّةَ لَيالٍ، وتُقدَّرُ بحوالي (27كم)، وتُسمَّى غَزْوةَ حُنينٍ، وكانتِ الغنائمُ فيها مِن السَّبيِ والأموالِ أكثَرَ مِن أن تُحْصى، فقال الوفدُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا محمَّدُ، إنَّا أصلٌ وعَشيرةٌ"، أي: لَنا أصلٌ في العرَبِ، وبَطنٌ مِن بُطونِها، "وقد نزَل بِنا مِن البَلاءِ ما لا يَخْفى عليك"، أي: يَذكُرون ما أصابَهم مِن هَزيمةٍ مِن المسلِمين، وما اجْتاحَهم فيها مِن سلبِ أموالِهم وذُرِّيَّاتِهم، "فامْنُنْ علينا مَنَّ اللهُ عليك"، أي: أنعِمْ علينا بما أنعَم اللهُ عليك، وفيه: أنَّهم يَطلُبون مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أن يَرُدَّ عليهم ما سُبِي مِن نِسائِهم وذَراريِّهم وأموالِهم، فقال لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "اختاروا مِن أموالِكم أو مِن نِسائِكم وأبنائِكم"، أي: وافَقهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، وخَيَّرهم بين أن يَرُدَّ عليهِم أموالَهم أو النِّساءَ والأبناءَ، فقال الوفدُ: "قد خيَّرتَنا بينَ أحسابِنا وأموالِنا"، والمرادُ بالأحسابِ: النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ، "بل نَختارُ نِساءَنا وأبناءَنا"، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "أمَّا ما كان لي ولِبَني عبدِ المطَّلِبِ"، أي: ما وقَع مِن نِسائِكم وذُرِّيَّتِكم في القِسمِ الَّذي هو لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ولأقاربِه، "فهُو لكم"، أي: فهو راجِعٌ لكم ومردودٌ عليكم، وهذا بيانٌ للقَدْرِ الَّذي يتَصرَّفُ فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، وهو نَصيبُه ونصيبُ أقاربِهِ وليس مِن مالِ باقي المسلِمين.

ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم للوفدِ: "فإذا صلَّيتُ الظُّهرَ"، أي: انتهيتُ مِنه بالتَّسليمِ، "فقوموا، فقولوا: إنَّا نَستعينُ برَسولِ اللهِ على المؤمِنين أو المسلِمين في نِسائِنا وأبنائِنا"، أي: نُريدُ أن يَشفَعَ لنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم فيما لنا مِن نساءٍ وذُرِّيَّةٍ عندَ المسلِمين وما وقَع لكلِّ واحدٍ مِنهم في قِسْمةِ الغنيمةِ، والمرادُ بالاستعانةِ بالرسولِ هنا: هي الاستعانةُ بشَفاعتِه ووساطتِه عِندَ الناسِ؛ لِمَا له مِن مَكانةٍ ومَحبَّةٍ في قُلوبِ المُسلِمين، وهي في حِياتِه ويَقدِرُ عليها، كما يَتوسَّطُ كبارُ القومِ ووُجهاؤُهم عندَ بَعضِ النَّاسِ لقَضاءِ مَصالِحِ البَعضِ الآخَرِ، وليستِ الاستعانةُ هنا مِن بابِ الاستعانةِ الشِّركيَّةِ أو اتِّخاذِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم شَريكًا ولا شَفيعًا مِن دُونِ اللهِ تعالى.

قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو رَضِي اللهُ عَنهما: "فلمَّا صلَّوُا الظُّهرَ قاموا"، أي: وفْدُ هوازِنَ، "فقالوا ذلك"، أي: فعَلوا ما أمَرهم به النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، فردَّ عليهم رسولُ اللهِ أمامَ باقي أصحابِه، فقال: "فما كان لي ولِبَني عبدِ المطَّلِب فهو لَكُم"، فلمَّا سَمِع الصَّحابةُ رَضِي اللهُ عَنهم ترَفُّقَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بوفدِ هَوازِنَ وما ردَّه عليهم مِن النِّساءِ والذُّريَّةِ، قال المهاجِرون: "وما كان لنا فهو لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: له حقُّ التَّصرُّفِ فيما وقَع في قَسْمتِنا مِن النِّساءِ والذُّريَّةِ؛ فيَضَعُه كيفما شاء دونَ عِوَضٍ، والمهاجِرون: هم مَن وفَدوا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم المدينةَ قبلَ الفتحِ، وقالت الأنصارُ: "ما كان لنا فهو لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، والأنصارُ: هم الذين ناصروا الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقال الأقرَعُ بنُ حابسٍ رَضِي اللهُ عَنه: "أمَّا أنا وبَنو تَميمٍ فلا"، أي: لن يَرُدُّوا ما كان لهم مِن غَنيمةٍ على هَوازِنَ، وبَنو تَميمٍ: قبيلةٌ مِن العرَبِ، وقال عُيَينةُ بنُ حِصْنٍ رَضِي اللهُ عَنه: "أمَّا أنا وبَنو فَزارةَ فلا"، أي: لن نَرُدَّ عليهم نِساءَهم وذُرِّيَّاتِهم، وقال العبَّاسُ بنُ مِرْداسٍ رَضِي اللهُ عَنه: "أمَّا أنا وبَنو سُليمٍ فلا"، فقام بَنو سُليمٍ فقالوا: "كذَبتَ"، أي: أخطَأتَ، وأهلُ الحِجازِ يَقولون: كذَبتَ موضِعَ أخطَأتَ، "ما كان لنا فهو لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"، أي: اعتَرضوا على سيِّدِهم، وجعَلوا نَصيبَهم فيما جعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم نصيبَه فيه؛ امتِثالًا واتِّباعًا لرغبةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا أيُّها النَّاسُ"، والنِّداءُ لجميعِ الصَّحابةِ، "رُدُّوا عليهم نِساءَهم وأبناءَهم"، أي: إنَّ الكلَّ مأمورٌ برَدِّ ما عِندَه مِن نساءِ وذُرِّيَّةِ هوازِنَ على أهلِهم، "فمَن تَمسَّك مِن هذا الفَيْءِ بشَيءٍ"، أي: ومَن أراد أن يَحفَظَ حقَّه فيهم، وهذا اختصاصٌ لِمَن امتنَع عن ردِّ ما كان مِن نصيبِه، والمرادُ بالفيءِ: غنيمتُهم مِن أهلِ هَوازِنَ، "فله سِتُّ فَرائِضَ"، جمعُ فريضةٍ، والمرادُ بها: البعيرُ بمثلِ الَّتي تُؤخَذُ في الزَّكاةِ، "مِن أوَّلِ شيءٍ يُفِيئُه اللهُ عزَّ وجلَّ علينا"، أي: إنَّه يُعوَّضُ عن ذلك بما يكونُ مِن غنائمَ، والمرادُ: أنَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يُعوِّضُهم عن ذلك مِن الخُمسِ الخاصِّ به، لا مِن كلِّ الغنيمةِ.

قال عبدُ اللهِ رَضِي اللهُ عَنه: ورَكِب النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، "راحِلتَه"، أي: دابَّتَه، "ورَكِب النَّاسُ"، وفي نسخةٍ: "ورَكِبه النَّاسُ"، أي: أحاطوا به، "اقْسِمْ علينا فَيْئَنا"، أي: قَسِّمْ بينَنا الغنيمةَ، ولعلَّ المرادَ: هي غَنيمتُهم مِن هَوازِنَ، وأنَّ ما حدَث مِن الوفدِ كان قبلَ أن تُوزَّعَ تلك الغَنيمةُ، "فأَلجَؤوه إلى شجرةٍ"، أي: إنَّهم مِن ازدِحامِهم عليه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم اضطرُّوه إلى شَجرةٍ، "فخَطِفَت رِداءَه"، أي: سَلَبَتْه وشَدَّتْه، وفي هذا كِنايةٌ عن شِدَّةِ مُطالَبةِ بعضِ النَّاسِ له، فقال لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا أيُّها النَّاسُ، رُدُّوا علَيَّ رِدائي؛ فواللهِ لو أنَّ شجَرَ تِهامةَ نَعَمًا"، أي: مِثلَ شجَرِ منطقةِ تِهامةَ مالًا، وأكثَرُ ما تُطلَقُ النَّعَمُ على الإبلِ، وتِهامةُ: مكَّةُ وما حولَها مِن البُلدانِ، "قَسَمْتُه عليكم"، أي: لن يَكونَ هناك تَراخٍ منِّي في قِسْمةِ تلك الأنعامِ عليكم، "ثمَّ لم تَلْقَوْني"، أي: لا تَجِدوني، "بَخيلًا"، أي: حَريصًا ومُمتنِعًا عن بَذْلِه فيكم، "ولا جَبانًا"، أي: ضَعيفًا ولا خائفًا، "ولا كَذوبًا"، أي: لا أعمَلُ بالكذبِ فيكم حِرصًا على مثلِ تلك الأموالِ.

قال عبدُ اللهِ رَضِي اللهُ عَنه: ثمَّ أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، "بَعيرًا، فأخَذ مِن سَنامِه"، والسَّنامُ: ما عَلا وارتفَع مِن ظَهرِ الجَملِ، "وَبرَةً بينَ إصبَعَيه"، أي: أمسَك بإصبَعيه شَعرةً مِن شعَرِ هذا البعيرِ، "ثمَّ يقولُ: ها إنَّه ليس لي مِن الفيءِ"، أي: مِن الغَنيمةِ، "شيءٌ ولا هذه"؛ إشارةً إلى الشَّعرةِ الَّتي بينَ إصبَعَيه، والمرادُ: أنَّه ليس له حقٌّ في أخذِها قَبلَ قِسْمتِها، "إلَّا خُمُسٌ"، أي: ولكنَّها تَحِلُّ له إذا أخَذَها بعدَ القِسْمةِ ووَقَعَتْ في الخُمسِ الَّذي أخبَر به اللهُ عزَّ وجلَّ في قولِه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] ، "والخُمسُ مردودٌ فيكم"، أي: مردودٌ في مَصالحِكم.

قال: "فقام إليه رجُلٌ بِكُبَّةٍ مِن شَعرٍ"، أي: أخرَج للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حَبْلًا مَعقودًا مِن شَعرٍ كان قد أخَذه مِن الغَنيمةِ قَبلَ أنْ تُقسَمَ، مُستَهينًا بقَدْرِه في الغنيمةِ، فقال الرَّجلُ: "يا رسولَ اللهِ، أخَذتُ هذه لِأُصلِحَ بها بَرْدعَةَ بعيرٍ لي"، والبَرْدَعةُ والبَرْذَعةُ: ما يُوضَعُ على ظَهرِ البَعيرِ، ويُوضَعُ عليها الرَّحْلُ والأمتعةُ، وأشهَرُ ما تُطلَقُ الآنَ للحِمارِ كالسَّرْجِ للفَرَسِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "أمَّا ما كان لي ولِبَني عبدِ المطَّلِبِ فهو لك"، أي: إنَّه لو كان مِن نَصيبِنا وفي قَسْمتِنا فقدْ أحلَلْناها لك، وهذا بيانٌ لِسَماحَتِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وتَطييبٌ لخاطرِ الرَّجلِ، وفي الوقتِ ذاتِه تَعظيمٌ وإكبارٌ لتلك الكُبَّةِ الَّتي ما زالَت تقَعُ في حقِّ المسلمين، فقال الرَّجلُ: "أوَبَلَغَت هذه؟"، أي: هل بلَغ التَّحذيرُ في مِثلِ هذا القَدْرِ؟ "فلا أرَبَ"، أي: لا حاجةَ، "لي فيها، فنَبَذها"، أي: ترَكها ورَدَّها في الغنيمةِ.

ثم قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يا أيُّها النَّاسُ، أدُّوا الخِياطَ والمخيطَ"، أي: اجْمَعوا مِثلَ هذا القَدْرِ ورُدُّوه في الغَنيمةِ ولا يَغُرَّنَّكم قلَّةُ قَدْرِها، والمرادُ بالخِياطِ: الخيطُ الَّذي يُحاكُ به الثَّوبُ، والمخيطُ: الإبرةُ والآلةُ الَّتي تُستعمَلُ في الخِياطةِ، وهذا كِنايةٌ عن أنَّ قليلَ ما يُغنَمُ وكثيرَه مَقسومٌ بينَ مَن شَهِد الوَقْعةَ ليس لأحَدٍ أن يَستبِدَّ منه بشَيءٍ وإنْ قلَّ، "فإنَّ الغلولَ"، والغلولُ: ما سُرِق وأُخِذ من الغَنيمةِ قبلَ أن تُقسَمَ، "يكونُ على أهلِه"، أي: على مَن أخَذه، "عارًا وشَنَارًا يومَ القِيامةِ"، أي: جَزاؤُه العيبُ والقُبحُ في الآخِرةِ بما يُفضَحُ به على الخَلائقِ، والعارُ: كلُّ شيءٍ لَزِم به عَيبٌ، والشَّنارُ: أقبَحُ العيبِ والعارِ.

وفي الحديثِ: بيانُ ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن حُسنِ الخُلقِ، وتَحمُّلِه لأذى الآخَرين، وعدَمِ مُؤاخَذتِهم به.

وفيه: بيانُ ما كان عندَ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم مِن حبٍّ لنبيِّهم أكثرَ مِن أموالِهم .

الأصول والأحكام

السنن الكبرى للبيهقي ت التركي (18/ 249) 18129 - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، حدثنا أبو العباس، حدثنا

أحمد، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،

عن جده قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب

من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا

رسول الله، لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك.

وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله

إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن

يكفلنك.

وذكر كلاما وأبياتا، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نساؤكم وأبناؤكم

أحب إليكم أم أموالكم؟ ".

فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وبين

أموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما ما كان

لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع

برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا.

سأعطيكم

عند ذلك وأسأل لكم".

فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس الظهر قاموا فقالوا ما

أمرهم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما ما كان لي ولبني

عبد المطلب فهو لكم".

وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فقال الأقرع بن حابس:

أما أنا وبنو تميم فلا.

فقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا.

فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقال عيينة بن بدر: أما

أنا وبنو فزارة فلا.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان

ستة فرائض من أول فيء نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم"

سنن أبي داود (3/ 63) 2694 - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في هذه القصة، قال: ف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن مسك بشيء من هذا الفيء، فإن له به علينا ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا، ثم دنا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - من بعير، فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: يا أيها الناس، إنه ليس لي من هذا الفيء شيء، ولا هذا - ورفع أصبعيه - إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط.

فقام رجل في يده كبة من شعر فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك.

فقال: أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها ونبذها

سنن النسائي (6/ 262) 3688 - أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا ابن أبي عدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته وفد هوازن، فقالوا: يا محمد، إنا أصل وعشيرة، وقد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا من الله عليك، فقال: اختاروا من أموالكم أو من نسائكم وأبنائكم، فقالوا: قد خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا بل نختار نساءنا وأبناءنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر فقوموا، فقولوا: إنا نستعين برسول الله على المؤمنين أو المسلمين في نسائنا وأبنائنا " فلما صلوا الظهر قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقامت بنو سليم فقالوا: كذبت، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك من هذا الفيء بشيء فله ست فرائض من أول شيء يفيئه الله عز وجل علينا، وركب راحلته وركب الناس اقسم علينا فيئنا، فألجئوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فقال: يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالله لو أن لكم شجر تهامة نعما قسمته عليكم ثم لم تلقوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا، ثم أتى بعيرا فأخذ من سنامه وبرة بين أصبعيه ثم يقول: ها إنه ليس لي من الفيء شيء ولا هذه إلا خمس، والخمس مردود فيكم فقام إليه رجل بكبة من شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه لأصلح بها بردعة بعير لي فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك، فقال: أوبلغت هذه؟ فلا أرب لي فيها، فنبذها وقال: يا أيها الناس، أدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا يوم القيامة

أحاديث ذات صلة