قنت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في صلاةِ الغداةِ بعد الركوعِ وقنت أبو بكرٍ رضيَ الله عنه بعد الركوعِ وقنت عمرُ رضيَ اللهُ عنه بعد الركوعِ وقنت عثمانُ رضيَ اللهُ عنه بعد الركوعِ صدرًا من خلافتِه ثم طلب إليه المهاجرون والأنصارُ فقدَّم القنوتَ قبلَ الركوعِ
أخرجه الطبري في ((مسند ابن عباس)) (554)، وابن شاهين في ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) (219)
عَن أنسِ بنِ مالِكٍ، أنه سُئِلَ عنِ القُنوتِ في صلاةِ الصُّبحِ، فقالَ: كنَّا نَقنتُ قبلَ الرُّكوعِ وبعدَهُ الراوي : أنس بن مالك المحدث : الألباني المصدر : صحيح ابن ماجه الصفحة أو الرقم: 979 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه ابن ماجه (4966) بلفظه، وعبد الرزاق (4966)، والحازمي في ((الاعتبار)) (ص96) مطولا، وكلاهما بنحوه .
الصَّلاةُ عِبادةٌ توقيفيَّةٌ وقد علَّمَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كلَّ أفعالِها وآدابِها وما يتَعلَّقُ بذلك، و مِن ذلك: الدُّعاءُ والقنوتُ في الصَّلاةِ.
وفي هذا الحديثِ عن أنسِ بنِ مالكٍ: "سُئِل عن القُنوتِ في صلاةِ الصُّبحِ"، أي: سأَله أحَدُ أصحابِه عن كيفيَّةِ القُنوتِ في صلاةِ الفجرِ على عَهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، والقنوتُ هو اسمٌ للدُّعاءِ في الصَّلاةِ في مَحلٍّ مخصوصٍ مِن القيامِ، فقال أنسٌ رَضِي اللهُ عنه: "كنَّا نَقنُتُ قبلَ الرُّكوعِ وبعدَه"، أي: الأمرُ واسعٌ ومباحٌ؛ فإنَّهم كانوا يَدْعون قبلَ الرُّكوعِ أو بعدَه، والمعنى محمولٌ على القنوتِ في الصُّبحِ وقْتَ النَّازلةِ، والمشهورُ أنَّ أكثرَ ما كان يَقنُتُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بعدَ الرُّكوعِ، وهو المرجَّحُ.
وقد قيل: إنَّ قُنوتَه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كان لسَببٍ، وهو الدُّعاءُ على القبائلِ الَّذين غدَروا ببَعْثِه وقتَلوا سَبْعين مِن قُرَّاءِ الصَّحابةِ رَضِي اللهُ عنهم، وقد جاء في صحيحِ البخاريِّ: عن عاصمٍ، قال: سألتُ أنَسَ بنَ مالكٍ عن القُنوتِ، فقال: قد كان القنوتُ، قلتُ: قبلَ الرُّكوعِ أو بعدَه؟ قال: قَبْلَه، قال: فإنَّ فُلانًا أخبَرني عنك أنَّك قلتَ: بعدَ الرُّكوعِ، فقال: «كذَب، إنَّما قنَت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بعدَ الرُّكوعِ شهرًا، أُراه كان بعَث قومًا يُقالُ لهم: القُرَّاءُ، زُهاءَ سَبعينَ رَجُلًا، إلى قومٍ مِن المشرِكين دونَ أولئك، وكان بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عهدٌ، فقنَت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم شهرًا يَدْعو عليهم».
تهذيب الآثار - مسند ابن عباس (1/ 332) :
554 - حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: حدثنا أبو حيوة شريح بن يزيد، قال: حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن أنس بن مالك ، قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الغداة بعد الركوع، وقنت أبو بكر رضي الله عنه بعد الركوع، وقنت عمر رضي الله عنه بعد الركوع، وقنت عثمان رضي الله عنه بعد الركوع صدرا من خلافته، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار فقدم القنوت قبل الركوع.
قد اختلف السلف قبلنا في ذلك، فنذكر أقوالهم فيه، ثم نتبع جميعه البيان إن شاء الله.
فقال بعضهم بتصحيح الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن ذلك من فعله سنة ثابتة ينبغي العمل بها، على ما روينا عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي ذكرناه عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عنه, وقال آخرون: إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب والصبح، وأنكر القنوت في غيرهما من الصلوات المكتوبات، وقالوا بتصحيح خبر البراء بن عازب الذي ذكرناه قبل، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه .
وقالوا: القنوت فيهما سنة ثابتة ينبغي العمل بها, وقال آخرون: إنما قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، دون غيرها من الصلوات المكتوبات.
قالوا: فالقنوت في صلاة الصبح سنة ثابتة ينبغي للمسلمين العمل بها في مساجدهم, وقال آخرون: لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبات، وإنما القنوت في الوتر, والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قنت يدعو على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة مدة، إما شهرا، وإما أكثر من ذلك، في كل صلاة مكتوبة، ثم ترك فعل ذلك في كل صلاة، وثبت قنوته في صلاة الصبح، وصح الخبر عنه عليه السلام أنه لم يزل يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا.
وروى أبو مالك الأشجعي، عن أبيه أنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت.
وكل ذلك من الروايات والأخبار عندنا صحيح، فالقنوت إذا نابت المسلمين نائبة، أو نزلت بهم نازلة، نظيرة النائبة والنازلة التي نابت ونزلت بالمسلمين بمصابهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن قتل منهم ببئر معونة، على من قتلهم وأعان قاتليهم من المشركين، في كل صلاة مكتوبة، على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله في ذلك، إلى أن يكشف الله عنهم النازلة التي نزلت، إما بالظفر بعدوهم الذي كان من قبلهم النازلة، وإما بدخولهم في الإسلام ، أو باستسلامهم للمسلمين، أو بغير ذلك من الأمور التي يكون بها الفرج للمسلمين من مكروه ما نزل بهم، سنة حسنة، وإن كانت النائبة والنازلة سببا غير ذلك، فإلى أن يزول ذلك عنهم، وذلك أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس، قنوته على كفار مضر شهرا، وذكر أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بعد ذلك، قال: فقلت: ما بال النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء؟ فقيل لي: أوما تراهم قد جاءوا - يعني أن الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم - قد جاءوا مسلمين.
فالقنوت في كل صلاة، إذا نزلت بالمسلمين نائبة عامة أو خاصة، وذلك الدعاء في آخر ركعة من كل صلاة مكتوبة حسن جميل، كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قنوته كذلك في كل صلاة للسبب الذي ذكرنا قنوته له.
ولسنا وإن رأينا ذلك حسنا جميلا، بموجبين على من تركه إعادة صلاته التي ترك ذلك فيها، ولا سجود سهو، عامدا كان تركه ذلك أو ساهيا.
وذلك أن الجميع من سلف علماء الأمة وخلفهم، لا خلاف بينهم أن ترك ذلك غير مفسد صلاة مصل، وأن سجود السهو إنما يجب على المصلي، عند من يوجبه بدلا من نقص أو زيادة، لم يكن له عملها في صلاته فعملها، فترك القنوت فيها خارج من كل هذين المعنيين، فلا وجه لإيجاب البدل منه ، وأما إذا لم يكن سبب يدعو المسلمين إلى القنوت في كل صلاة، إما لنائبة أو نازلة بهم عامة أو خاصة، فترك القنوت في كل الصلوات المكتوبات، خلا صلاة الصبح، هو الحق.
وذلك لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ترك القنوت الذي كان يقنته في كل صلاة مكتوبة، بعد دخول القوم الذين كان يقنت عليهم في الإسلام، إلا في صلاة الصبح، فإنه فيما ذكر أنس بن مالك، لم يزل يقنت فيها حتى فارق الدنيا.
ولا شك أن دعاءه في ذلك كان على غير الذين دخلوا في الإسلام، فترك القنوت والدعاء عليهم في كل صلاة فإن قال قائل: فإنك قد صححت حديث أنس بن مالك، وقلت به في جواز القنوت في صلاة الصبح في كل حال، وتركت القول بخبر طارق بن أشيم الأشجعي، مع قولك بتصحيحه، وخلاف خبره خبر أنس؟ قيل له: ليس الأمر في ذلك كالذي ظننت، بل نحن قائلون بتصحيحهما وتصحيح العمل بهما، فإن قال: وكيف تكون مصححا لهما وللعمل بهما، وأحدهما يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، والآخر منهما يخبر عنه أنه لم يره قنت، وكلاهما قد صلى معه؟ قيل: إنا لم نقل إنه لا بد من القنوت في كل صلاة صبح، وإنما قلنا: القنوت فيها حسن، فإن قنت فيها قانت فبفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل، وإن ترك ذلك تارك، فبرخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت فيها أحيانا، ويترك القنوت فيها أحيانا، فأخبر أنس عنه أنه لم يزل يقنت فيها، على ما لم يزل يعهده من فعله في ذلك بالقنوت فيها مرة، وترك القنوت فيها أخرى، معلما بذلك أمته أنهم مخيرون في العمل بأي ذلك شاءوا وعملوا به، وأخبر طارق بن أشيم أنه صلى معه فلم يره قنت، وغير منكر أن يكون صلى خلفه في بعض الأحوال التي لم يقنت فيها في صلاته، فأخبر عنه بما رأى وشاهد، وليس قول من قال: لم أر النبي صلى الله عليه وسلم قنت، بحجة يدفع بها قول من قال: رأيته قنت، ولاسيما والقنوت أمر مخير المصلي فيه وفي تركه، كالذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمله به أحيانا، وتركه إياه أحيانا، تعليما منه أمته صلى الله عليه وسلم سبيل الصواب فيه.
ولو كان قول من قال من أصحابه: لم أر رسول الله قنت دافعا قول من قال: رأيته يقنت ، وجب أن يكون قول من قال: لم أره يرفع يديه عند الركوع وعند رفعه رأسه من الركوع، دافعا قول من قال: رأيته يرفع يديه عندهما.
وكذلك كان يجب أن يكون كل ما حكي عنه من اختلاف كان يكون منه في صلاته، مما فعله تعليما منه أمته في أنهم مخيرون بين العمل به وتركه، غير جائز العمل إلا بأحدهما، وفي إجماع الأمة على أن ذلك ليس كذلك، وأن رفع اليدين في حال الركوع وحال رفع الرأس منه في الصلاة غير مفسد صلاة المصلي، ولا تركه موجب عليه قضاء ولا بدلا منه، إذ كان ذلك من العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمله أحيانا في صلاته ويتركه أحيانا .
وكذلك ذلك في القنوت، إذ كان من الأمر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله أحيانا في صلاة الصبح، ويتركه أحيانا، معلما بذلك أمته أنهم مخيرون في العمل به والترك.
وكذلك القول عندنا فيما روي عن أصحابه في ذلك من الاختلاف، فإن سبيل الاختلاف عنهم فيه، سبيل الاختلاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أنهم كانوا يقنتون أحيانا على ما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وأحيانا يتركون القنوت على ما عهدوه يترك، فيشهد قنوتهم في الحال التي يقنتون فيها قوم، فيروون عنهم ما رأوا من فعلهم، ويشهدهم آخرون في الحال التي لا يقنتون فيها، فيروون عنهم ما رأوا من فعلهم، وكلا الفريقين محق صادق.
ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين (ص209) :
219 - حدثنا عبد الغافر بن سلامة الحمصي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن المغيرة، قال: حدثنا شريح بن يزيد، قال: حدثنا خليد يعني: ابن دعلج، عن قتادة، عن أنس ،؛ أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الفجر بعد الركوع وأبو بكر، وعمر، وعثمان صدرا من خلافته، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار فقدم القنوت قبل الركوع ".
والذي يدل في معنى هذه الأحاديث أن النهي منسوخ والذي عليه العمل القنوت في الفجر، وأنه الناسخ لغيره؛ لما رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الغداة حتى مات، وعلى ذلك أهل المدينة.
وإذا كان أهل المدينة على شيء فهو الحق.
وسئل مالك بن أنس عن القنوت في الفجر فقال: لم أدرك أحدا يعيبه فقيل له: أو كانوا يقنتون؟ قال: نعم، ومذهب مالك: أن القنوت في الصبح قبل الركوع 0 وسئل ابن أبي ذئب عن القنوت في الصبح؟ فقال: هو الأمر بهذا البلد منذ كان الإسلام قول أبي الزناد وابن هرمز، وسئل سفيان الثوري، عن القنوت في الفجر؟ فقال: لا بأس به، وأما نحن فلا نفعله 0 وقال الشافعي يقنت في الصبح بما علم النبي صلى الله عليه وسلم ابنه الحسن بن علي وقال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن القنوت في الفجر؟ قال: نعم، في الأمر يحدث كما قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قوم، قلت: فيرفع به صوته، قال: نعم، فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عبد الله: وسألت أبي عن القنوت في أي الصلاة؟، قال: في الوتر بعد الركوع، وإن قنت في الفجر اتباع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم 0 قلت: فإن قنت في الصلاة كلها؟ قال: لا إلا في الوتر والغداة.