حديثُ مقتلِ عمرَ .

.

.

.

.

فطارَ العِلجُ بسكِّينٍ هو أبو لؤلؤةَ فيروزُ غلامُ المغيرةِ بنِ شعبةٍ .

.

.

.

.

.

حتَّى طعَن ثلاثةَ عشرَ رجلًا مات منهم سبعةٌ منهم الكُليَبُ بن البُكيرِ اللَّيثِيُّ [يعني حديث: رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه قَبْلَ أنْ يُصَابَ بأَيَّامٍ بالمَدِينَةِ، وقَفَ علَى حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ وعُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: كيفَ فَعَلْتُمَا؟ أتَخَافَانِ أنْ تَكُونَا قدْ حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ؟ قَالَا: حَمَّلْنَاهَا أمْرًا هي له مُطِيقَةٌ، ما فِيهَا كَبِيرُ فَضْلٍ، قَالَ: انْظُرَا أنْ تَكُونَا حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ، قَالَ: قَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ، لَأَدَعَنَّ أرَامِلَ أهْلِ العِرَاقِ لا يَحْتَجْنَ إلى رَجُلٍ بَعْدِي أبَدًا، قَالَ: فَما أتَتْ عليه إلَّا رَابِعَةٌ حتَّى أُصِيبَ، قَالَ: إنِّي لَقَائِمٌ ما بَيْنِي وبيْنَهُ إلَّا عبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وكانَ إذَا مَرَّ بيْنَ الصَّفَّيْنِ، قَالَ: اسْتَوُوا، حتَّى إذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، ورُبَّما قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ، أوِ النَّحْلَ، أوْ نَحْوَ ذلكَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى حتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَما هو إلَّا أنْ كَبَّرَ، فَسَمِعْتُهُ يقولُ: قَتَلَنِي -أوْ أكَلَنِي- الكَلْبُ، حِينَ طَعَنَهُ، فَطَارَ العِلْجُ بسِكِّينٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، لا يَمُرُّ علَى أحَدٍ يَمِينًا ولَا شِمَالًا إلَّا طَعَنَهُ، حتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَاتَ منهمْ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا رَأَى ذلكَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ طَرَحَ عليه بُرْنُسًا، فَلَمَّا ظَنَّ العِلْجُ أنَّه مَأْخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ، وتَنَاوَلَ عُمَرُ يَدَ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فمَن يَلِي عُمَرَ فقَدْ رَأَى الذي أرَى، وأَمَّا نَوَاحِي المَسْجِدِ فإنَّهُمْ لا يَدْرُونَ، غيرَ أنَّهُمْ قدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ، وهُمْ يقولونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! سُبْحَانَ اللَّهِ! فَصَلَّى بهِمْ عبدُ الرَّحْمَنِ صَلَاةً خَفِيفَةً، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: يا ابْنَ عَبَّاسٍ، انْظُرْ مَن قَتَلَنِي، فَجَالَ سَاعَةً ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَامُ المُغِيرَةِ، قَالَ: الصَّنَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ! لقَدْ أمَرْتُ به مَعْرُوفًا، الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتي بيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإسْلَامَ، قدْ كُنْتَ أنْتَ وأَبُوكَ تُحِبَّانِ أنْ تَكْثُرَ العُلُوجُ بالمَدِينَةِ -وكانَ العَبَّاسُ أكْثَرَهُمْ رَقِيقًا- فَقَالَ: إنْ شِئْتَ فَعَلْتُ -أيْ: إنْ شِئْتَ قَتَلْنَا- قَالَ: كَذَبْتَ، بَعْدَما تَكَلَّمُوا بلِسَانِكُمْ، وصَلَّوْا قِبْلَتَكُمْ، وحَجُّوا حَجَّكُمْ! فَاحْتُمِلَ إلى بَيْتِهِ، فَانْطَلَقْنَا معهُ وكَأنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَومَئذٍ، فَقَائِلٌ يقولُ: لا بَأْسَ، وقَائِلٌ يقولُ: أخَافُ عليه، فَأُتِيَ بنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ، فَخَرَجَ مِن جَوْفِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بلَبَنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِن جُرْحِهِ، فَعَلِمُوا أنَّه مَيِّتٌ، فَدَخَلْنَا عليه، وجَاءَ النَّاسُ، فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عليه، وجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ، فَقَالَ: أبْشِرْ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ببُشْرَى اللَّهِ لَكَ؛ مِن صُحْبَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقَدَمٍ في الإسْلَامِ ما قدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وَلِيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٌ، قَالَ: وَدِدْتُ أنَّ ذلكَ كَفَافٌ لا عَلَيَّ ولَا لِي، فَلَمَّا أدْبَرَ إذَا إزَارُهُ يَمَسُّ الأرْضَ، قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الغُلَامَ، قَالَ: يا ابْنَ أخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ؛ فإنَّه أبْقَى لِثَوْبِكَ، وأَتْقَى لِرَبِّكَ.

يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ، انْظُرْ ما عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وثَمَانِينَ ألْفًا أوْ نَحْوَهُ، قَالَ: إنْ وَفَى له مَالُ آلِ عُمَرَ، فأدِّهِ مِن أمْوَالِهِمْ، وإلَّا فَسَلْ في بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ، فإنْ لَمْ تَفِ أمْوَالُهُمْ فَسَلْ في قُرَيْشٍ، ولَا تَعْدُهُمْ إلى غيرِهِمْ، فأدِّ عَنِّي هذا المَالَ.

انْطَلِقْ إلى عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، ولَا تَقُلْ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ؛ فإنِّي لَسْتُ اليومَ لِلْمُؤْمِنِينَ أمِيرًا، وقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أنْ يُدْفَنَ مع صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ واسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ السَّلَامَ، ويَسْتَأْذِنُ أنْ يُدْفَنَ مع صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، ولَأُوثِرَنَّ به اليومَ علَى نَفْسِي، فَلَمَّا أقْبَلَ، قيلَ: هذا عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ قدْ جَاءَ، قَالَ: ارْفَعُونِي، فأسْنَدَهُ رَجُلٌ إلَيْهِ، فَقَالَ: ما لَدَيْكَ؟ قَالَ: الذي تُحِبُّ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ أذِنَتْ، قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ما كانَ مِن شَيءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِن ذلكَ، فَإِذَا أنَا قَضَيْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ، فَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فإنْ أذِنَتْ لي فأدْخِلُونِي، وإنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إلى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، وجَاءَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ والنِّسَاءُ تَسِيرُ معهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عليه، فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً.

واسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلًا لهمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فَقالوا: أوْصِ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ، قَالَ: ما أجِدُ أحَدًا أحَقَّ بهذا الأمْرِ مِن هَؤُلَاءِ النَّفَرِ -أوِ الرَّهْطِ- الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو عنْهمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا، وعُثْمَانَ، والزُّبَيْرَ، وطَلْحَةَ، وسَعْدًا، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وقَالَ: يَشْهَدُكُمْ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، وليسَ له مِنَ الأمْرِ شَيءٌ -كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ له- فإنْ أصَابَتِ الإمْرَةُ سَعْدًا فَهو ذَاكَ، وإلَّا فَلْيَسْتَعِنْ به أيُّكُمْ ما أُمِّرَ؛ فإنِّي لَمْ أعْزِلْهُ عن عَجْزٍ ولَا خِيَانَةٍ، وقَالَ: أُوصِي الخَلِيفَةَ مِن بَعْدِي بالمُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ؛ أنْ يَعْرِفَ لهمْ حَقَّهُمْ، ويَحْفَظَ لهمْ حُرْمَتَهُمْ، وأُوصِيهِ بالأنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ؛ أنْ يُقْبَلَ مِن مُحْسِنِهِمْ، وأَنْ يُعْفَى عن مُسِيئِهِمْ، وأُوصِيهِ بأَهْلِ الأمْصَارِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ رِدْءُ الإسْلَامِ، وجُبَاةُ المَالِ، وغَيْظُ العَدُوِّ، وأَلَّا يُؤْخَذَ منهمْ إلَّا فَضْلُهُمْ عن رِضَاهُمْ، وأُوصِيهِ بالأعْرَابِ خَيْرًا؛ فإنَّهُمْ أصْلُ العَرَبِ، ومَادَّةُ الإسْلَامِ؛ أنْ يُؤْخَذَ مِن حَوَاشِي أمْوَالِهِمْ، ويُرَدَّ علَى فُقَرَائِهِمْ، وأُوصِيهِ بذِمَّةِ اللَّهِ، وذِمَّةِ رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يُوفَى لهمْ بعَهْدِهِمْ، وأَنْ يُقَاتَلَ مِن ورَائِهِمْ، ولَا يُكَلَّفُوا إلَّا طَاقَتَهُمْ.

فَلَمَّا قُبِضَ خَرَجْنَا به، فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي، فَسَلَّمَ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، قَالَ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَتْ: أدْخِلُوهُ، فَأُدْخِلَ، فَوُضِعَ هُنَالِكَ مع صَاحِبَيْهِ، فَلَمَّا فُرِغَ مِن دَفْنِهِ اجْتَمع هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوا أمْرَكُمْ إلى ثَلَاثَةٍ مِنكُمْ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عَلِيٍّ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عُثْمَانَ، وقَالَ سَعْدٌ: قدْ جَعَلْتُ أمْرِي إلى عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، فَقَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: أيُّكُما تَبَرَّأَ مِن هذا الأمْرِ، فَنَجْعَلُهُ إلَيْهِ، واللَّهُ عليه والإِسْلَامُ، لَيَنْظُرَنَّ أفْضَلَهُمْ في نَفْسِهِ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عبدُ الرَّحْمَنِ: أفَتَجْعَلُونَهُ إلَيَّ؟ واللَّهُ عَلَيَّ ألَّا آلُ عن أفْضَلِكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ، فأخَذَ بيَدِ أحَدِهِما فَقَالَ: لكَ قَرَابَةٌ مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والقَدَمُ في الإسْلَامِ ما قدْ عَلِمْتَ، فَاللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، ولَئِنْ أمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمعنَّ ولَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بالآخَرِ فَقَالَ له مِثْلَ ذلكَ، فَلَمَّا أخَذَ المِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ له عَلِيٌّ، ووَلَجَ أهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ.]

الدلالات الموضوعية:# مناقب وفضائل - عمر بن الخطاب# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# فتن - مقتل عمر# جنائز وموت - فضل موت الشهادة# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين
المصدر: هدي الساري
الراوي: [عمرو بن ميمون]
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:إسناده حسن

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (3700) مطولاً من حديث عمرو بن ميمون

الشرح والتوضيح

كان أبو لؤلؤةَ عبدًا للمُغيرةِ بنِ شُعبةَ وكان يصنَعُ الأَرْحَاءَ وكان المُغيرةُ يستغِلُّه كلَّ يومٍ بأربعةِ دراهمَ فلقي أبو لؤلؤةَ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه فقال : يا أميرَ المؤمِنينَ إنَّ المُغيرةَ قد أثقَل علَيَّ غَلَّتي فكلِّمْه يُخفِّفْ عنِّي فقال له عُمَرُ : اتَّقِ اللهَ وأحسِنْ إلى مولاكَ فغضِب العبدُ وقال : وسِع النَّاسَ كلَّهم عَدْلُك غيري فأضمَر على قَتْلِه فاصطنَع خَنجَرًا له رأسانِ وسَمَّه ثمَّ أتى به الهُرمزانَ فقال : كيف ترى هذا ؟ فقال : إنَّك لا تضرِبُ بهذا أحدًا إلَّا قتَلْتَه قال : وتحيَّن أبو لُؤلؤةَ عُمَرَ فجاءه في صلاةِ الغَداةِ حتَّى قام وراءَ عُمَرَ وكان عُمَرُ إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ يقولُ : أقيموا صفوفَكم فقال كما كان يقولُ فلمَّا كبَّر وجَأه أبو لُؤلؤةَ في كتِفِه ووجَأه في خاصِرَتِه فسقَط عُمَرُ وطعَن بخَنجَرِه ثلاثةَ عشَر رجُلًا فهلَك منهم سبعةٌ وحُمِل عُمَرُ فذُهِب به إلى منزلِه وصاح النَّاسُ حتَّى كادَتْ تطلُعُ الشَّمسُ فنادى النَّاسَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ : يا أيُّها النَّاسُ الصَّلاةَ الصَّلاةَ قال : ففزِعوا إلى الصَّلاةِ فتقدَّم عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ فصلَّى بهم بأقصرِ سورتَيْنِ في القُرآنِ فلمَّا قضى صلاتَه توجَّهوا إلى عُمَرَ فدعا عُمَرُ بشرابٍ لِينظُرَ ما قدرُ جُرْحِه فأُتِي بنَبيذٍ فشرِبه فخرَج مِن جُرْحِه فلَمْ يَدْرِ أنبيذٌ هو أم دمٌ فدعا بلَبَنٍ فشرِبه فخرَج مِن جُرحِه فقالوا : لا بأسَ عليكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ قال : إنْ يكُنِ القتلُ بأسًا فقد قُتِلْتُ فجعَل النَّاسُ يُثنونَ عليه يقولونَ : جزاكَ اللهُ خيرًا يا أميرَ المُؤمِنينَ كُنْتَ وكُنْتَ ثمَّ ينصرِفونَ ويجيءُ قومٌ آخَرونَ فيُثنونَ عليه فقال عُمَرُ : أمَا واللهِ على ما تقولونَ ودِدْتُ أنِّي خرَجْتُ منها كَفافًا لا علَيَّ ولا ليَ وإنَّ صُحبةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سلِمَتْ لي فتكلَّم عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ - وكان عندَ رأسِه وكان خَليطَه كأنَّه مِن أهلِه وكان ابنُ عبَّاسٍ يُقرِئُه القُرآنَ - فتكلَّم ابنُ عبَّاسٍ فقال : لا واللهِ لا تخرُجُ منها كَفافًا لقد صحِبْتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصحِبْتَه وهو عنكَ راضٍ بخيرِ ما صحِبه صاحبٌ كُنْتَ له وكُنْتَ له وكُنْتَ له حتَّى قُبِض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو عنكَ راضٍ ثمَّ صحِبْتَ خليفةَ رسولِ اللهِ فكُنْتَ تُنفِّذُ أمرَه وكُنْتَ له وكُنْتَ له ثمَّ وَلِيتَها يا أميرَ المُؤمِنينَ أنتَ فوَلِيتَها بخيرِ ما وَلِيَها والٍ وكُنْتَ تفعَلُ وكُنْتَ تفعَلُ فكان عُمَرُ يستريحُ إلى حديثِ ابنِ عبَّاسٍ فقال له عُمَرُ : كرِّرْ علَيَّ حديثَك فكرَّر عليه فقال عُمَرُ : أمَا واللهِ على ما تقولُ لو أنَّ لي طِلاعَ الأرضِ ذهبًا لَافتدَيْتُ به اليومَ مِن هولِ المَطلَعِ، قد جعَلْتُها شورى في ستَّةٍ : عُثمانَ وعلِيِّ بنِ أبي طالبٍ وطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ والزُّبيرِ بنِ العوَّامِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وجعَل عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ معهم مُشيرًا وليس منهم وأجَّلهم ثلاثًا وأمَر صُهَيبًا أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ رحمةُ اللهِ عليه ورضوانُه الراوي : أبو رافع المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 6905 خلاصة حكم المحدث : صحيح، إسناده على شرط مسلم التخريج : أخرجه أبو يعلى (2731) باختلاف يسير، والحاكم (4512)، والبيهقي (16108) مختصراً باختلاف يسير كان عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضِي اللهُ عنه مَثلًا للحاكمِ العادِلِ الذي يُحسِنُ سِياسةَ رَعيَّتِه على قواعدِ الشرعِ مع مُراعاةِ واقعِ الناسِ وتَنزيلِ الأحكامِ على أحوالِهم، وكان لمَقتلِه أثرٌ كبيرٌ في نفوسِ المُسلِمينَ؛ نظرًا لِمَا كان عليه في خِلافتِه مِن قُوَّةٍ وهَيبةٍ في الحقِّ، وفي هذا الحديثِ بيانٌ لبعضِ أحداثِ حياتِه وكيفيَّةِ مَقتلِه، حيثُ يقولُ أبو رافِعٍ القِبطيُّ، مَولى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "كان أبو لُؤلُؤةَ" واسمُه فَيروزُ "عَبدًا لِلمُغيرةِ بنِ شُعبةَ، وكان يَصنَعُ الأرحاءَ" وهي الآلاتُ التي تَطحَنُ الحُبوبَ، "وكانَ المُغيرةُ يَستَغِلُّه كُلَّ يَومٍ بأربَعةِ دَراهِمَ" كانَ يَعمَلُ بيَدِه ويَكتَسِبُ ويَدفَعُ لِلمُغيرةِ أربَعةَ دَراهِمَ كُلَّ يَومٍ، وكأنَّ أبا لُؤلُؤةَ استَكثَرَ هذه الدَّراهِمَ "فلَقيَ أبو لُؤلُؤةَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه" وكان حِينَئِذٍ خَليفةً لِلمُسلِمينَ، "فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ المُغيرةَ قد أثقَلَ علَيَّ غَلَّتي" وهي القِيمةُ التي يَدفَعُها نَظيرَ تَركِه يَعمَلُ بيَدِه، "فكَلِّمْه يُخفِّفْ عَنِّي"، أي: اطْلُبْ مِنَ المُغيرةِ أنْ يُقلِّلَ عَنِّي ما أدفَعُه كُلَّ يَومٍ "فقال له عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ، وأحسِنْ إلى مَولاكَ" فنَصَحَه أنْ يَتَّقيَ اللهَ في مُعامَلةِ المُغيرةِ، وخُصوصًا أنَّه يَترُكُه يَعمَلُ، "فغَضِبَ العَبدُ" فلم يَقبَلْ نَصيحةَ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه له، "وقال: وَسِعَ الناسَ كُلَّهُم عَدلُكَ غَيري"! وكأنَّه شَعَرَ أنَّ عُمَرَ أيضًا ظَلَمَه برِضاه عَمَّا يَفعَلُه مَولاه المُغيرةُ بنُ شُعبةَ رَضيَ اللهُ عنه، "فأضمَرَ على قَتلِه" فتَعمَّدَ أنْ يَقتُلَ عُمَرَ دونَ أنْ يُظهِرَ ذلك، "فاصطَنَعَ خِنجَرًا له رأسانِ، وسَمَّه" يعني: أنَّه صَنَعَ لِلخِنجَرِ حَدَّيْنِ ومَسَحَه بالسُّمِ؛ حتى لو سَلِمَ المَطعونُ مِنَ الطَّعنِ فإنَّه لا يَسلَمُ مِنَ السُّمِّ، "ثم أتى به الهُرمُزانَ" وهو قائِدٌ فارِسيٌّ أسلَمَ في عَهدِ عُمَرَ "فقال: كيف تَرى هذا؟ فقال: إنَّكَ لا تَضرِبُ بهذا أحَدًا إلَّا قَتَلتَه" وهذا تَقريرٌ منه لِقُوَّةِ الخِنجَرِ، وأنَّ الضَّربَ به يُؤدِّي إلى المَوتِ حَتمًا، "وتَحيَّنَ أبو لُؤلُؤةَ عُمَرَ" انتَظَرَ الوَقتَ المُناسِبَ لِقَتلِه "فجاءَه في صَلاةِ الغَداةِ" وهي صَلاةُ الفَجرِ "حتى قامَ وراءَ عُمَرَ" في الصَّفِّ "وكانَ عُمَرُ إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ يَقولُ: أقيموا صُفوفَكم"، أي: اعتَدِلوا فيها وسَوُّوها "فقال كما كان يَقولُ" جَعَلَ يَقولُ وهو على رأسِ الصُّفوفِ ما عادَتُه أنْ يُقالَ في هذا المَقامِ، "فلَمَّا كَبَّرَ" تَكبيرةَ الإحرامِ لِلدُّخولِ في الصَّلاةِ "وَجَأه"، أي: طَعَنَه "أبو لُؤلُؤةَ في كَتِفِه، ووَجَأه في خاصِرَتِه" في وَسَطِ جانِبِه مِنَ الأسفَلِ "فسَقَطَ عُمَرُ" على الأرضِ مِن أثَرِ الطَّعناتِ "وطَعَنَ" أبو لُؤلُؤةَ وهو يَهرُبُ "بخِنجَرِه ثَلاثةَ عَشَرَ رَجُلًا" مِمَّن كانوا في الصَّلاةِ وَراءَ عُمَرَ، "فهَلَكَ" وماتَ "مِنهم سَبعةٌ، وحُمِلَ عُمَرُ، فذُهِبَ به إلى مَنزِلِه" ولم يُكمِلِ الناسُ الصَّلاةَ "وصاحَ الناسُ، حتى كادَتْ تَطلُعُ الشَّمسُ" فيَخرُجُ وَقتُ صَلاةِ الصُّبحِ "فنادَى الناسَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: يا أيُّها الناسُ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ"، أي: قوموا إلى الصَّلاةِ "قال: ففَزِعوا إلى الصَّلاةِ" وذَهَبوا لِأدائِها.

وفي رِوايةِ البُخاريِّ مِن حَديثِ عَمرِو بنِ مَيمونٍ أنَّ عُمَرَ لَمَّا طُعِنَ أخَذَ بيَدِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ فقَدَّمَه لِلصَّلاةِ بالناسِ، "فتَقدَّمَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ فصَلَّى بهم" إمامًا وقَرَأ "بأقصَرِ سُورتَيْنِ في القُرآنِ"؛ لِتَخفيفِ الصَّلاةِ، فصَلَّى بسورَتَيْ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، وَ{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} "فلَمَّا قَضَى صَلاتَه تَوجَّهوا إلى عُمَرَ" ذَهَبوا إليه في بَيتِه "فدَعا عُمَرُ بشَرابٍ" لِيَشرَبَه "لِيَنظُرَ قَدْرَ جُرحِه"، أي: مَدى نَفاذِ الطَّعنةِ في البَطنِ، وهل يُمكِنُ عِلاجُها أمْ أنَّ الطَّعنةَ قاتِلةٌ؟ "فأُتيَ بنَبيذٍ" مِن مَنقوعِ التَّمرِ أوِ الزَّبيبِ، ويَكونُ داكِنَ اللَّونِ "فشَرِبَه، فخَرَجَ مِن جُرحِه، فلم يَدرِ أنَبيذٌ هو أو دَمٌ" وذلك أنَّه إذا تأكَّدَ لهم أنَّ الخارِجَ مِنَ الطَّعنةِ الطَّعامُ أوِ الشَّرابُ، كانَتِ الطَّعنةُ قاتِلةً، ولكِنَّهم لم يَتبَيَّنوا ذلك بَعدَ شُربِه النَّبيذَ؛ لاختِلاطِه بلَونِ الدَّمِ، فلم يَدرِ هلِ الخارِجُ هو مِنَ الدَّمِ أو مِنَ الشَّرابِ، "فدَعا بلَبَنٍ فشَرِبَه، فخَرَجَ مِن جُرحِه" فتأكَّدَ أنَّ الجُرحَ قد قَطَعَ الأمعاءَ، وكان هذا لا يُعرَفُ له عِلاجٌ في ذلك الوَقتِ، "فقالوا: لا بأْسَ عليكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ" وهي كَلِمةُ مواساةٍ، والبأْسُ هو الضُّرُّ والشِّدَّةُ، فقال لهم عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه وهو في تلك الحالِ: "إنْ يَكُنِ القَتلُ بأْسًا فقد قُتِلتُ" بمَعنى: إنْ لم يَقَعْ بي خَطَرٌ غَيرُ القَتلِ فقد قُتِلتُ، قال أبو رافِعٍ رَضيَ اللهُ عنه: "فجَعَلَ الناسُ يُثنونَ عليه" فيَذكُرونَ أفعالَه وصِفاتِه الحَميدةَ "يَقولونَ: جَزاكَ اللهُ خَيرًا يا أميرَ المُؤمِنينَ، كُنتَ، وكُنتَ، ثم يَنصَرِفونَ ويَجيءُ قَومٌ آخَرونَ"؛ وذلك لِرُؤيَتِه وتَوديعِه، "فيُثنونَ عليه، فقالَ عُمَرُ: أمَا واللهِ على ما تَقولونَ" مِنَ الثَّناءِ بالخَيرِ "وَدِدتُ أنِّي خَرَجتُ منها كَفافًا" خَرَجتُ مِنَ الدُّنيا، أو مِن مَسؤوليَّةِ أمْرِ الخِلافةِ مُتَوازِنَ الأعمالِ، والكَفافُ: هو الذي لا يَفضُلُ عنِ الشَّيءِ، ويَكونُ بقَدْرِ الحاجةِ إليه، وقيلَ: أرادَ به مَكفوفًا عَنِّي شَرُّها، وقيلَ: معناه: ألَّا تَنالَ مِنِّي ولا أنالَ منها، أي: أنْ تَكُفَّ عَنِّي وأكُفَّ عنها.

وهذا يُؤكِّدُ قَولَه: "لا علَيَّ ولا لي، وأنَّ صُحبةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَلِمتْ لي" بمَعنى: كُنتُ أتَمَنَّى أنْ أسلَمَ مِنَ الخِلافةِ، وأتَمَنَّى سَلامةَ صُحبَتي لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وخُلُوَّها مِنَ الشَّرِّ، "فتَكلَّمَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ -وكانَ عِندَ رأْسِه وكان خَليطَه، كأنَّه مِن أهلِه-" بمَعنى أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما كان دائِمَ الحُضورِ عِندَ عُمَرَ، وكأنَّه واحِدٌ مِن أهلِ بَيتِه "وكان ابنُ عَبَّاسٍ يُقرِئُه القُرآنَ، فتَكلَّمَ ابنُ عَبَّاسٍ فقال: لا واللهِ، لا تَخرُجُ منها كَفافًا" وهذه شَهادةٌ مِنِ ابنِ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ اللهَ لا يُخرِجُه مِنَ الدُّنيا أو مِن أمْرِ الخِلافةِ بلا أجْرٍ، أو تَتساوى أعمالُه الصَّالِحةُ مع الطالِحةِ، فذَكَّرَه بما له مِن سوابِقِ الخَيرِ؛ فقال: "لقد صَحِبتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فصَحِبتَه وهو عنكَ راضٍ بخَيرِ ما صَحِبَه صاحِبٌ، كُنتَ له، وكُنتَ له، وكُنتَ له" يَعنى لكَ معه الأعمالُ الصَّالِحةُ الكَثيرةُ "حتى قُبِضَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو عنكَ راضٍ" وهذا كُلُّه مِن بابِ طَمأنَتِه بحُسنِ أعمالِه ورِضا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنه "ثم صَحِبتَ خَليفةَ رَسولِ اللهِ" يَعني أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ "فكُنتَ تُنفِّذُ أمْرَه، وكُنتَ له، وكُنتَ له" مِنَ العَونِ له والاجتِهادِ معه في أُمورِ الخِلافةِ "ثم وُلِّيتَها يا أميرَ المُؤمِنينَ أنتَ، فوُلِّيتَها بخَيرِ ما وَلِيَها والٍ، وكُنتَ تَفعَلُ، وكُنتَ تَفعَلُ" وهذا مِن بابِ ذِكْرِ أعمالِ عُمَرَ الفاضِلةِ، وهو خَليفةٌ لِلمُسلِمينَ، وحُسنِ سياسَتِه لِلناسِ، وحِفظِ الدِّينِ والدُّنيا عليهم "فكانَ عُمَرُ يَستَريحُ إلى حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، فقال له عُمَرُ: كَرِّرْ علَيَّ حَديثَكَ.

فكَرَّرَ عليه، فقال عُمَرُ: أمَا واللهِ على ما تَقولُ" وما تَذكُرُ مِن حُسنِ الإسلامِ وحُسنِ الأعمالِ وحُسنِ السِّيرةِ "لو أنَّ لي طِلاعَ الأرضِ ذَهَبًا لافتَدَيتُ به اليَومَ مِن هَولِ المُطَّلعِ" والمُرادُ أنَّه يَتمَنَّى لو أنَّ له مِثلَ وَزنِ الأرضِ ذَهَبًا، ثم طُلِبَ منه أنْ يَفتَديَ نَفْسَه بهذا الذَّهَبِ مِن شِدَّةِ أمْرِ المَوتِ وما بَعدَه مِنَ الحِسابِ والقيامةِ، لافتَدى نَفْسَه، وهذا كُلُّه مِن شِدَّةِ وَرَعِه وخَوفِه مِنَ اللهِ سُبحانَه.

ثم قال عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "قد جَعَلتُها"، أي: جَعَلتُ أمْرَ الخِلافةِ، "شُورى في سِتَّةٍ" تَختارونَ منهم واحِدًا "عُثمانَ، وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، وطَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، والزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ، وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، وسَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ" فهؤلاء يَختارُ المُسلِمونَ منهم خَليفةً؛ لِأنَّهم في رأيِه أفضَلُ الناسِ، وأوْلاهم بها "وجَعَلَ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ معهم مُشيرًا" يُشيرُ عليهم بالرَّأيِ والنَّصيحةِ "وليس منهم" فلا يُضَمُّ لِلمُختارينَ السِّتَّةِ، "وأجَّلَهم ثَلاثًا" فجَعَلَ الوَقتَ المُتاحَ لهم لِيَختاروا الخَليفةَ مِن هؤلاء السِّتَّةِ ثَلاثةَ أيَّامٍ بَعدَ مَوتِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه "وأمَرَ صُهَيبًا" الرُّوميَّ "أنْ يُصَلِّيَ بالناسِ" فيَكونَ إمامًا في الصَّلاةِ حتى يَليَ الخَليفةُ الجَديدُ أمْرَ الناسِ، ثم يَؤُمَّهم بنَفْسِه، "رَحمةُ اللهِ عليه ورِضوانُه" وهذا دُعاءٌ لِعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه بأنْ يَرحَمَه اللهُ، ويُسبِغَ عليه رِضوانَه.

وفي الحَديثِ: بيانٌ لمدَى تربُّصِ أهلِ الكُفرِ والنِّفاقِ لوَحدةِ المُسلِمينَ مُنتقِمينَ منهم في ذلك في قادتِهم وزُعمائِهم.

وفيه: بيانُ عدْلِ عُمرَ رضِي اللهُ عنه في رَعيَّتِه، وحُسنِ سِياستِه.

وفيه: بيانُ أنَّه يَنبغي أنْ يكونَ حالُ المؤمِن -مع اجتهادِه في العِبادةِ- بيْن الخوفِ والرَّجاءِ.

وفيه: مواساةُ الرجُلِ عندَ نُزولِ سَكَراتِ الموتِ به بذِكرِ فَضائلِه.

وفيه: بيانُ أنَّ الشُّورَى بيْن أهلِ الحَلِّ والعَقدِ مبدأٌ مهمٌّ في اختيارِ الحاكِمِ.

وفيه: بيانُ حِرصِ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنه على الصَّلاةِ حتَّى في أحْلَكِ الظُّروفِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (5/ 15) :

‌3700 - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل.

قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله، لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت، أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم.

فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة.

قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك.

يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال.

انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه.

فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين.

وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، {الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم} أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وألا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم.

وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم.

فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له: مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه.

أحاديث ذات صلة