كنَّا جُلوسًا مع رَبيعةَ الجُرَشيِّ فتَذاكَرْنا الطَّلاءَ في خِلافةِ الضَّحَّاكِ بنِ قَيسٍ، فإنَّا لكذلك إذ دَخَلَ علينا عبدُ الرَّحمنِ بنُ غَنْمٍ صَاحبُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقُلْنا: اذكُروا الطَّلاءَ فتَذاكَرْنا الطَّلاءَ، كذا قال زَيدُ بنُ الحُبابِ، يَعني: عبدَ الرَّحمنِ بنَ غَنْمٍ صاحبَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: حَدَّثَني أبو مالكٍ الأشعريُّ، أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ليَشرَبَنَّ ناسٌ مِن أُمَّتي الخَمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها، والذي حَدَّثَني أصدَقُ منِّي ومنك، والذي حَدَّثَ به أصدَقُ منه ومنِّي ومنك! فقال: واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو، لقد سَمِعتُه مِن أبي مالكٍ الأشعريِّ، سَمِعَه مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فرَدَّدَه عَليه ثَلاثًا، فقال الضَّحَّاكُ: أُفٍّ له مِن شَرابِ آخِرِ الدَّهرِ.

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - إخبار النبي عن المغيبات# أشربة - كل مسكر خمر# أشربة - ما يحرم من الأشربة# أشربة - الخمر ومما تكون
المصدر: تخريج المسند لشعيب
الراوي: أبو مالك الأشعري
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:المرفوع منه صحيح لغيره

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (3688) المرفوع منه، وابن ماجه (4020) المرفوع منه مطولاً، وأحمد (22900) واللفظ له

الشرح والتوضيح

لَيَكونَنَّ مِن أُمَّتي أقْوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ، والخَمْرَ والمَعازِفَ، ولَيَنْزِلَنَّ أقْوامٌ إلى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عليهم بسارِحَةٍ لهمْ، يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الفقِيرَ- لِحاجَةٍ، فيَقولونَ: ارْجِعْ إلَيْنا غَدًا، فيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، ويَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ إلى يَومِ القِيامَةِ.

الراوي : أبو مالك الأشعري المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 5590 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري موصولا وصورته معلقاً بصيغة الجزم (5590) بيَّن لنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمورَ ديننا، وأوضَحَ الحلالَ والحرامَ في الأقوالِ والأفعالِ، وبَيَّن أنَّه بمرورِ الزَّمانِ واقترابِ قيامِ السَّاعةِ، سيَخِفُّ الدِّينُ في قلوبِ النَّاسِ حتى يستَحِلُّون بعضَ ما حَرَّمه اللهُ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّه سَيَكونُ جَماعةٌ مِن أُمَّتِه يَستحِلُّونَ بعضَ المحرَّماتِ، والاستحلالُ هو أنْ يَفعَلَ الحرامَ بدَعْوى أنَّه حَلالٌ بالتأويلاتِ الفاسِدةِ، ولهذا قال: «من أمتي»، فجعَلَهم بعضَ أمَّتِه مع استحلالهم بالتأويلِ؛ لأنَّهم لو استحَلُّوها مع اعتقادِ أنَّ اللهَ ورسولَه حَرَّماها، لكانوا كُفَّارًا، وخرجوا عن أمَّتِه.

وأوَّلُ هذه المحَرَّماتِ هو الحِرُ، وهو الفَرْجُ، ويقصِدُ الزِّنا، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] ، وأيضًا يستحِلُّون الحريرَ، وهو حرامٌ على الذُّكورِ دونَ الإناثِ، وكذا يَستحِلُّون الخمرَ، وهي كُلُّ ما يُسكِرُ ويُغَطِّي العَقلَ، ويستحِلُّون أيضًا المعازفَ، وهي آلاتُ اللَّهوِ والموسيقا.

وقيل: مدارُ استحلالِ هذه المحَرَّماتِ وغَيرِها على تسميةِ الشَّيءِ باسمِ غيرِه، كمن تزوَّج امرأةً ليُحِلَّها لزَوجِها؛ فإنَّهم يُسَمُّونه في العَقدِ زَوجًا، وإنما هو المحلِّلُ الملعونُ، والتَّيسُ المستعارُ، واستحلالُ الخَمرِ بتسمِيَتِها بغيرِ اسمِها، فيقولون: مشروباتٌ رُوحانيَّةٌ، وغيرَ ذلك.

ثمَّ أنْبَأَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أقوامٍ يَنزِلون إلى جَنْبِ عَلَمٍ، وهو الجبَلُ، يرُوحُ عليهم بسارحةٍ لهم، أي: يَسيرُ الرَّاعي بغَنَمٍ لهم، وهي السَّارحةُ في المراعي، وفي أثناءِ ذلك يَأتيهم الفقيرُ يَسأَلُهم الحاجةَ، فيَرُدُّونه ويقولون: ارجِعْ إلينا غدًا، وهم يقصِدون بذلك رَدَّه حتى لا يُعْطوه شيئًا، «فيُبيِّتُهم اللهُ»، أي: يأخُذُهم بالعذابِ وهم في وقتِ البَياتِ؛ وهو اللَّيلُ، ويضَعُ الجبَلَ، أي: يُوقِعُه، عليهم فيُهلِكُهم.

ثمَّ قال: «ويَمسَخُ آخَرين قِردةً وخَنازيرَ إلى يومِ القيامةِ» أي: إلى مِثلِ صُوَرِها حقيقةً، كما وقَعَ لبعضِ الأُمَمِ السَّابقةِ، ولم يُبَيِّن في هذا الحَديثِ مكانَهم ولا ذُنوبَهم، وإنما أفاد أن المسْخَ يكونُ في آخِرِ الزَّمانِ عند نزولِ الفِتَنِ.

وقيل: «ويَمسَخُ آخَرين» أي: يجعَلُ صُوَرَ آخَرينَ ممَّن لم يَهلِكْ من البياتِ المذكورِ «قِردةً وخَنازيرَ إلى يومِ القيامةِ»، وفي هذا حَضٌّ للمُسلِمِ على اجتنابِ المعاصي؛ كي لا يقَعَ في العذابِ ومَسْخِ الصُّوَرِ.

وفي الحَديثِ: عَلامةٌ مِن عَلاماتِ النُّبوَّةِ.

وفيه: أنَّ استحلالَ المعاصي -مِثلُ الزِّنا والحريرِ والخَمرِ والمعازفِ- من أكبرِ الكبائِرِ.

الأصول والأحكام

[سنن أبي داود] (3/ 329) 3688- حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم، فتذاكرنا الطلاء، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها))

[سنن ابن ماجه] (2/ 1333 ) 4020- حدثنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا معن بن عيسى، عن معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن أبي مالك الأشعري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف، والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير))

[مسند أحمد] (37/ 534 ط الرسالة) 22900- حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، حدثني حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم قال: كنا جلوسا مع ربيعة الجرشي فتذاكرنا الطلاء في خلافة الضحاك بن قيس، فإنا لكذلك إذ دخل علينا عبد الرحمن بن غنم صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: اذكروا الطلاء.

فتذاكرنا الطلاء- كذا قال زيد بن الحباب، يعني: عبد الرحمن بن غنم صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حدثني أبو مالك الأشعري ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)).

والذي حدثني أصدق مني ومنك، والذي حدث به أصدق منه ومني ومنك.

فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعته من أبي مالك الأشعري، سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

فردده عليه ثلاثا، فقال الضحاك: أف له من شراب آخر الدهر

أحاديث ذات صلة