أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثُمَّ الصالحونَ ، لقدْ كان أحدُهم يُبتلى بالفقرِ حتى ما يجدُ إلا العباءةَ ، يجوبُها ، فَيَلْبَسُهَا ، و يُبتلى بالقملِ حتى يقتلَه ، و لَأَحَدُهُمْ كانأشدَّ فرحًا بالبلاءِ من أحدِكم بالعطاءِ
أخرجه الحاكم (119) بلفظه، وأحمد (11893)، وابن ماجه (4024)كلاهما بلفظ مقارب.
أتينا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نعودُه في نسائه فإذا سقاءٌ مُعلَّقٌ نحوَه يقطرُ ماؤُه عليه من شدَّةِ ما يجدُ من حرِّ الحُمَّى قلنا يا رسولَ اللهِ لو دعوتَ اللهَ فشفاك فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إنَّ من أشدِّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم الراوي : فاطمة بنت اليمان المحدث : الألباني المصدر : السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم: 1/275 خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن التخريج : أخرجه أحمد (27079) واللفظ له، والنسائي في ((الكبرى)) (7454)، والحاكم (8231) باختلاف يسير.
الأنبياءُ أشَدُّ النَّاسِ بَلاءً؛ لِقوَّةِ دِينِهم ويَقينِهم، ولِعِظَمِ أجْرِهم كذلك؛ لذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُبتَلى كَثيرًا بما يَفوقُ أصحابَه.
وفي هذا الحَديثِ تُخبِرُ فاطِمةُ بِنتُ اليَمانِ، وهي أُختُ الصَّحابيِّ حُذيفةَ بنِ اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنهما: "أتَيْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَعودُه في نِسائِه" نَزورُه عِندَ نِسائِه، ومع زَوجاتِه، وقد كان مَريضًا "فإذا سِقاءٌ مُعلَّقٌ نَحوَه"، أي: وِعاءٌ أو قِربةٌ مِنَ الماءِ مُعلَّقةٌ فَوقَه "يَقطُرُ ماؤُه عليه" على رأسِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، "مِن شِدَّةِ ما يَجِدُ مِن حَرِّ الحُمَّى" والحُمَّى حَرارةٌ شَديدةٌ تُصيبُ الجَسَدَ، كَأنَّها تُذيبُ اللَّحمَ، "قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، لو دَعَوتَ اللهَ فشَفاكَ"؛ وقالوا ذلك لِأنَّهم يَعلَمونَ أنَّه مُستَجابُ الدَّعوةِ، فلو دَعا اللهَ لَرَفعَ عنه المَرَضَ، ولكِنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُعلِّمُ الناسَ الصَّبرَ، ويُبيِّنُ فَضيلةَ القَبولِ بقَضاءِ اللهِ بالبَلاءِ والشِّدَّةِ مع الرِّضا، "فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ مِن أشَدِّ الناسِ بَلاءً"، أي: مِن أكثَرِهم إصابةً بأقوى البَلاءِ "الأنبياءَ، ثم الذين يَلونَهم، ثم الذين يَلونَهم، ثم الذين يَلونَهم" فيَكونُ بَعدَ الأنبياءِ في الإصابةِ بالبَلاءِ الذين يأتونَ بَعدَهم في الرُّتبةِ والمَنزِلةِ مِن حيثُ قُوَّةُ الإيمانِ؛ وذلك لِأنَّ المَرءَ يُبتَلى على قَدرِ دِينِه، فإنْ كانَ في دِينِه صَلابةٌ اشتَدَّ بَلاؤُه، وإنْ كانَ في دِينِه رِقَّةٌ ابتُليَ على حَسَبِ ذلك، ولا شَكَّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أكمَلُ النَّاسِ دِينًا، وأتْقى الخَلقِ وأقرَبُهم إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالى؛ ولذلك ابتُليَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بجَميعِ أصنافِ الابتِلاءِ، ومِن جُملةِ ذلك أنَّ الوَجَعَ -وهو المَرَضُ- كان يأتيه أشَدَّ مِن غَيرِه.
ففي حَديثِ البُخاريِّ أنَّ وَجَعَه كوَجَعِ رَجُلَيْنِ؛ لِيَعظُمَ أجْرُه بذلك، وسيَكونُ لِلمؤمِنينَ المُبتَلَيْنَ على ذلك الجَزاءُ الحَسَنُ يَومَ القِيامةِ، قال تَعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] ، ومع ذلك فإنَّ مَنزِلةَ الصَّبرِ على البَلاءِ ومَنزِلةَ الشُّكرِ على العافيةِ، صاحِبُ كُلٍّ منهما رَفيعُ الدَّرجةِ، شَريفُ المَنزِلةِ، وله أجرُه عِندَ اللهِ.
وفي الحَديثِ: عِظَمُ بَلاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وعِظَمُ صَبرِه وتَحمُّلِه.
وفيه: أنَّ البَلاءَ مع الصَّبرِ عليه عاقِبَتُه مَحمودةٌ عِندَ اللهِ، وأجْرُه عَظيمٌ.
[المستدرك على الصحيحين] (1/ 99) :
119 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان المرادي، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال الربيع: حدثنا، وقال بحر: أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن أبا سعيد الخدري ، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة، ووضع يده عليها فوجد حرارتها فوق القطيفة، فقال أبو سعيد: ما أشد حر حماك يا رسول الله؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر ثم قال: يا رسول الله، من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء قال: ثم من؟ قال: العلماء قال: ثم من؟ قال: ثم الصالحون كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى تقتله، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء حدثنا أبو العباس، عن بحر في المسند، وعن الربيع في الفوائد، وأنا جمعت بينهما، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بهشام بن سعد، ثم له شواهد كثيرة ولحديث عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه طرق يتبع ويذاكر بها، وقد تابع العلاء بن المسيب عاصم بن بهدلة على روايته عن مصعب بن سعد
مسند أحمد (18/ 391 ط الرسالة) :
11893 - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري قال: وضع رجل يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي عليك، من شدة حماك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا معشر الأنبياء، يضاعف لنا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر، إن كان النبي من الأنبياء يبتلى بالقمل حتى يقتله، وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيجوبها ، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء "
سنن ابن ماجه (2/ 1334 ت عبد الباقي) :
4024 - حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا ابن أبي فديك قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك قال: إنا كذلك يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ، قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالرخاء