أفْشِ السلامَ ، و ابْذُلِ الطعامَ ، واسْتَحِي من اللهِ تعالَى كمَا تَستحْيِي رجُلًا من رهْطِكَ ذَا هيْأَةٍ ، ولْيَحْسُنْ خُلُقُكَ ، وإذا أسأْتَ فأحْسِنْ ، فإنَّ الحسناتِ يُذهِبْنَ السَّيِّئاتِ .
أخرجه الطبراني (8/272) (7897)
قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي إذا رأيتُك طابَتْ نَفسي وقرَّتْ عَيني، فأَنبِئْني عن كُلِّ شَيءٍ.
فقال: كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِن ماءٍ.
قال: قلتُ: أَنبِئْني عن أَمرٍ إذا أخَذتُ به دخَلتُ الجنَّةَ.
قال: أَفشِ السَّلامَ، وأَطعِمِ الطَّعامَ، وصِلِ الأَرحامَ، وقُم باللَّيلِ والنَّاسُ نِيامٌ، ثم ادخُلِ الجنَّةَ بِسَلامٍ.
الراوي : أبو هريرة المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 7932 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أحمد (7932) واللفظ له، والبزار (9547) مختصراً، وابن حبان (2559) باختلاف يسير كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُربِّي النَّاسَ على الفَضائلِ والمَكارِمِ؛ حتى يَكونَ المُجتَمعُ مُتحابًّا مُتعاوِنًا، كما بَيَّنَ أنَّ مَكارِمَ الأخلاقِ لها أجْرٌ عَظيمٌ عِندَ اللهِ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي إذا رأيتُكَ طابَتْ نَفْسي"، فرَضيتْ واطمأنَّتْ، "وقَرَّتْ عَيني"، معناها: بَرَدتْ، وانقَطَعَ بُكاؤُها، واستِحرارُها بالدَّمعِ، وقيل: مِنَ القَرارِ، أي: رأتْ ما كانت مُتشوِّفةً إليه، وقيل: أقَرَّ اللهُ عَينَكَ، أي: بَلَّغَكَ أُمنيَّتَكَ حتى تَرضَى نَفْسُكَ، وتَسكُنَ عَينُكَ، فلا تَستَشرِفَ إلى غَيرِها، "فأنبِئْني عن كُلِّ شَيءٍ"، يُريدُ: أخبِرْني عن أصلِ المَخلوقاتِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ الماءِ"، فأصلُ جَميعِ المَخلوقاتِ ومادَّتُها خُلِقتْ مِنَ الماءِ، "قُلتُ: أنبِئْني عن أمْرٍ إذا أخَذتُ به" فعَمِلتُ به في حَياتي "دَخَلتُ الجَنَّةَ"، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أفْشِ السَّلامَ"، والمَقصودُ بإفشاءِ السَّلامِ نَشرُه والإكثارُ منه، والسَّلامُ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وإفشاءُ السَّلامِ طَريقٌ مُوصِّلٌ لِلمَحبَّةِ بَينَ المُسلِمينَ، والسَّلامُ هو التَّحيَّةُ المُبارَكةُ في هذه الأُمَّةِ، وقد جَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن خَيرِ الأقوالِ في البِرِّ والإكرامِ إفشاءَ السَّلامِ، الذي يَعُمُّ ولا يَخُصُّ، مَن عَرَفَ ومَن لم يَعرِفْ، حتى يَكونَ خالِصًا للهِ تَعالى.
"وأطْعِمِ الطَّعامَ" ويَعُمُّ الإطعامُ ما يَكونُ بالصَّدَقةِ والهَديَّةِ والضِّيافةِ، ويَدخُلُ فيه.
"وصِلِ الأرحامَ"، والأرحامُ هم كُلُّ مَن تَربِطُكَ بهم رَحِمٌ أو قَرابةٌ مِن جِهةِ الأبِ أوِ الأُمِّ، وقد حَثَّ القُرآنُ الكَريمُ على صِلَتِهم، وحَذَّرَ أشَدَّ التَّحذيرِ مِن قَطْعِهم، قال تَعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] ، "وقُمْ باللَّيلِ والنَّاسُ نِيامٌ"، فصَلِّ النَّوافِلَ؛ مِنَ القِيامِ والتَّهجُّدِ في اللَّيلِ، كما يَقولُ اللهُ تَعالى، واصِفًا عبادَه المُؤمِنينَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة: 16] ، ويَنبَغي الحِرصُ على قيامِ اللَّيلِ والأخذِ بالأسبابِ المُعينَةِ على ذلك، ومنها: البُعدُ عنِ المَعاصي والذُّنوبِ، والإقلالُ مِنَ الأكلِ قَبلَ النَّومِ.
وقَولُه: "ثم ادخُلِ الجَنَّةَ بسَلامٍ"، أي: تَكونُ الجَنَّةُ جَزاءً لكَ على هذه الأفعالِ إذا فَعَلتَها مُخلِصًا فيها للهِ عزَّ وجلَّ.
وفي الحَديثِ: الحَثُّ على نَشرِ السَّلامِ تَحيَّةً وسُلوكًا بَينَ النَّاسِ، والتَّراحُمِ بَينَ النَّاسِ بفِعلِ الخِصالِ الحَميدةِ.
وفيه: الأمْرُ بصِلةِ الأرحامِ وعَدَمِ قَطعِها.
وفيه: التَّرغيبُ في قيامِ اللَّيلِ.
المعجم الكبير (8/ 272) 7897- حدثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن أبي عبد الملك ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجهزوا إلى هذه القرية الظالم أهلها يعني خيبر ، فإن الله فاتحها عليكم إن شاء الله ، ولا يخرجن معي ضعيف ولا مضعف .
فانطلق أبو هريرة إلى أمه ، فقال : جهزيني ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالجهاز للغزو ، فقالت : تنطلق وتتركني ، وقد علمت أني ما أدخل المرفق ، إلا وأنت معي ، فقال : ما كنت لأتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخرجت ثديها فناشدته بما رضع من لبنها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم سرا فأخبرته ، فقال : انطلقي فقد كفيت .
فأتاه أبو هريرة ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، قد أرى إعراضك عني لا أرى ذلك إلا لشيء بلغك ، قال : أنت الذي تناشدك أمك ، وأخرجت ثديها تناشدك بما رضعت من لبنها ، فلم تفعل ، أيحسب أحدكم إذا كان عند أبويه ، أو أحدهما أن ليس في سبيل الله ؟ بلى هو في سبيل الله إذا برهما وأدى حقهما قال أبو هريرة : لقد مكثت بعد ذلك سنتين ما أغزو حتى ماتت وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليلا ، فساروا معه فتى من بني عامر على بكر له صعب ، فجلس يسير ، فجفل من ناحية الطريق والناس ، فوقع بعيره في حرق ، فصاح يا لعامر ، فارتقس هو وبعيره ، فجاء قومه فاحتملوه ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى خيبر ، فنزل عليها فدعا الطفيل بن عامر بن الحارث الخزاعي ، فقال : انطلق إلى قومك فاستمدهم على أهل هذه القرية الظالم أهلها ، فإن الله سيفتحها عليكم إن شاء الله قال الطفيل : يا رسول الله ، تبعدني منك ، والله لأن أموت ، وأنا منك قريب أحب إلي من الحياة وأنا منك بعيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا بد مما لا بد منه فانطلق فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لعلي لا ألقاك ، فزودني شيئا أعيش به قال : أتملك لسانك ؟ قال : فماذا أملك إذا لم أملك لساني ؟ قال : أتملك يدك ؟ قال : فماذا أملك إذا لم أملك يدي ؟ قال : فلا تقل بلسانك إلا معروفا ، ولا تبسط يدك إلا إلى خير , قال ابن أبي كريمة : وجدت في كتاب أبي عبد الرحيم بخطه في هذا الحديث ، وقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم : أفش السلام ، وابذل الطعام ، واستحي الله بما تستحيي رجلا من أهلك ذي هيأة ، ولتحسن خلقك ، وإذا أسأت فأحسن ، فإن الحسنات يذهبن السيئات.