- أبو سعيدٍ إنَّ هذا المالَ حلوةٌ خضِرةٌ، فمن أخذَه بإشرافِ نفسٍ كان كالَّذي يأكلُ ولا يشبعُ

الدلالات الموضوعية:# سؤال - فضل التعفف والتصبر# فتن - فتنة المال# سؤال - أخذ العطاء من غير مسألة ولا تطلع إليه# سؤال - فيمن أعطى شيئا بإشراف# رقائق وزهد - الحرص
المصدر: فتح الباري لابن حجر
الراوي: أبو سعيد الخدري
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه بنحوه البخاري (1465)، ومسلم (1052)

الشرح والتوضيح

سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ قالَ: يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى.

قالَ حَكِيمٌ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شيئًا حتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا.

فَكانَ أَبُو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه يَدْعُو حَكِيمًا إلى العَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ منه، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فأبَى أَنْ يَقْبَلَ منه شيئًا، فَقالَ عُمَرُ: إنِّي أُشْهِدُكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ علَى حَكِيمٍ؛ أَنِّي أَعْرِضُ عليه حَقَّهُ مِن هذا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ.

فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى تُوُفِّيَ.

الراوي : حكيم بن حزام المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1472 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنْبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَطلُبَه بغَيرِ ما أحلَّ اللهُ، أو يُنفِقَه في غَيرِ مَرضاتِه.

وفي هذا الحَديثِ يُرشِدُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَكِيمَ بنَ حِزامِ بنِ خُوَيلدٍ رَضيَ اللهُ عنه إلى الطَّرِيق الأمْثَلِ لأخْذِ المالِ؛ وذلك عِندَما سَأَله حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ أنْ يُعطِيَه فأَعْطَاه ثَلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ قال له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ»، يعني: كالفاكِهةِ الخَضِرةِ في المَنْظَرِ، الحُلْوةِ في المَذاقِ؛ ولذلك تَرْغَبُه النُّفوسُ وتَمِيلُ إليه وتَحرِصُ عليه؛ فإنَّ الأخضَرَ مَرغوبٌ مِن حيثُ النَّظَرُ، والحُلْوَ مِن حيثُ الذَّوقُ، فإذا اجتَمَعَا زادَا في الرَّغبةِ؛ «فمَنْ أخَذَه بسَخَاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه»، أي: إنَّ مَن أَخَذ المالَ الذي يُبذَلُ له بغَيرِ إلْحاحٍ في السُّؤالِ، ولا طَمَعٍ ولا حِرْصٍ، ولا إكراهٍ أو إحراجٍ للمُعطِي؛ كَثُر ونَمَا، وكان رِزْقًا حَلالًا يَشْعُر بِلَذَّتِه، «ومَن أَخَذَه بإشرافِ نَفْسٍ لم يُبَارَكْ له فيه»، يعني: ومَن أَخَذه بإلحاحٍ في السُّؤالِ، وتَطلُّعٍ لِمَا في أيدِي غيرِه، وشِدَّةِ حِرْصٍ على تَحصِيلِه، مع إكراهِ المُعطِي وإحراجِه؛ لمْ يَكُنْ له فيه بَرَكةٌ؛ لأنَّه لمْ يَمنَعْ نفْسَه عن المَسألةِ التي هي مَذمومةٌ شَرْعًا، فعُوقِبَ بعَدَمِ البَرَكةِ فيما أَخَذَ، «وكان كالذي يَأكُلُ ولا يَشْبَعُ»، فلا يَقْنَعُ بما يَأْتِيه؛ فكُلَّما ازْدادَ أكْلًا ازْدادَ جُوعًا، وكُلَّما جَمَع مِن المالِ شيئًا ازْدادَ رَغبةً في غَيرِه، وازدادَ شُحًّا وبُخْلًا بِما في يَدِه وحِرصًا عليه.

ثمَّ قال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى»، أي: إنَّ الإنسانَ الذي يُعطِي خَيرٌ مِن الإنسانِ الذي يَأخُذُ؛ فاليدُ العُلْيا هي اليدُ المُنفِقةُ المُعطِيةُ، واليدُ السُّفلَى هي اليدُ الآخِذةُ.

فلمَّا سَمِعَ حَكِيمٌ رَضيَ اللهُ عنه هذه الوَصِيَّةَ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «يا رَسولَ الله، والذي بَعَثَك بالحقِّ، لا أَرْزَأُ أحدًا بعْدَك شيئًا حتَّى أُفارِقَ الدُّنيا»، يعني: أُقسِمُ أنِّي لنْ أَنقُصَ أحدًا مِن مالِه شَيئًا بالطَّلَبِ منه، يُرِيد أنَّه لنْ يَأخُذَ مِن أحدٍ شيئًا بعْدَ ذلك، فكان رَضيَ اللهُ عنه لا يَأخُذُ مِن الفَيْءِ -وهو ما أُخِذَ مِن الكُفَّار مِن غَيرِ قِتالٍ- شيئًا بعْدَ ذلك في زَمَنِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه، وفي زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، حتَّى إنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه لَمَّا عَرَض عليه مِنَ الفَيْءِ وأَبَى؛ أَشْهَدَ الناسَ عليه أنَّه يَعرِضُ عليه مِن الفَيْءِ، فيَأْبَى أنْ يَأخُذَ منه شَيئًا؛ وذلك حتَّى لا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه ظَلَمَه أو مَنَعَه مِن حَقِّه في الفَيءِ، ولأنَّه خَشِيَ سُوءَ التَّأويلِ، فَأرادَ تَبْرئةَ ساحتِه بالإشهادِ عليه، وظَلَّ حَكيمٌ على حالِه لا يَسأَلُ أحدًا شيئًا حتَّى تُوُفِّيَ رَضيَ اللهُ عنه لعَشْرِ سِنينَ مِن إمارةِ مُعاوَيةَ، عمَلًا بوَصيَّةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومُبالَغةً في الاحترازِ؛ إذ مُقْتضى الجِبِلَّةِ الإشرافُ والحِرصُ، والنَّفسُ سَرَّاقةٌ، ومَن حامَ حَولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فيه.

وفي الحديثِ: أنَّ سُؤالَ السُّلطانِ أو الإمامِ ليس بِعَارٍ.

وفيه: أنَّ السَّائلَ إذا أَلْحَفَ لا بَأْسَ بِرَدِّه ووَعْظِه وأَمْرِه بالتَّعفُّفِ وتَرْكِ الحِرْصِ.

وفيه: أنَّ الإنسانَ لا يَسأَلُ إلَّا عندَ الحاجةِ والضَّرُورةِ.

وفيه: أنَّ الأخْذَ مع سَخَاوةِ النَّفْسِ يَحصُلُ معه أجْرُ الزُّهْدِ، والبَرَكةُ في الرِّزقِ.

وفيه: فَضيلةٌ ظاهرةٌ لحَكيمِ بنِ حِزامٍ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه: ذَمُّ الحِرصِ والشَّرَهِ إلى الاستِكثارِ مِن المالِ.

وفيه: التَّرغيبُ في الاستعفافِ عن السُّؤالِ والقَناعةِ والرِّضا بالقليلِ.

وفيه: أنَّ اليَدَ المُعطيةَ خَيرٌ عندَ اللهِ مِن اليَدِ السائلةِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري]- ط السلطانية (2/ 121) ‌1465- حدثنا معاذ بن فضالة: حدثنا هشام، عن يحيى، عن هلال بن أبي ميمونة: حدثنا عطاء بن يسار: أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يحدث: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها.

فقال رجل: يا رسول الله، أويأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما شأنك، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل.

وكأنه حمده فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضراء، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس، فثلطت، وبالت، ورتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدا عليه يوم القيامة)).

[صحيح مسلم] (2/ 727) 121- (1052) وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا الليث بن سعد، ح وحدثنا قتيبة بن سعيد- وتقاربا في اللفظ- قال: حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عياض بن عبد الله بن سعد، أنه سمع أبا سعيد الخدري ، يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال: ((لا والله، ما أخشى عليكم، أيها الناس، إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا)) فقال رجل: يا رسول الله، أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم قال: ((كيف قلت؟)) قال: قلت: يا رسول الله، أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو، إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر، أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثلطت أو بالت، ثم اجترت، فعادت فأكلت فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله، كمثل الذي يأكل ولا يشبع))

122- (1052) حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا)) قالوا: وما زهرة الدنيا؟ يا رسول الله، قال: ((بركات الأرض)) قالوا: يا رسول الله، وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل، حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثم اجترت وبالت وثلطت، ثم عادت فأكلت، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع ((

123- (1052) حدثني علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام، صاحب الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: ((إن مما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)) فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يا رسول الله، قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء، وقال: ((إن هذا السائل))- وكأنه حمده- فقال: ((إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت، وبالت، ثم رتعت وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين، واليتيم، وابن السبيل- أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدا يوم القيامة))

أحاديث ذات صلة