اشترك رجلان في طُهرِ امرأةٍ .
فولدتْ .
فدعا عمرُ القافةَ .
فقالوا : قد أخذ الشَّبهَ منهما جميعًا .
فجعله عمرُ بينهما
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (12/252) باختلاف يسير.
حدَّد الشَّرعُ طُرُقَ فَضِّ المُنازعاتِ والمُشكِلاتِ بين الناسِ، فيما كان الحُكمُ بين المُستوِينَ في الحُجَّةِ؛ وذلك طلَبًا للعَدلِ بينهم؛ ولتَطمئِنَّ قُلوبُهم، وتَرتفِعُ الظِّنَّةُ عمَّن يَقسِمُ أو يَحكُمُ بينهم، ومن ذلك القُرعةُ واقتِفاءُ الأثَرِ، وقد عَمِلَ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والصَّحابةُ من بعدِه، كما في هذا الحديثِ حيثُ يَحكي عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّه: "اشتَرَكَ رَجُلانِ في طُهرِ امرأَةٍ"، أي: وَقَعَا عليها وجامَعاها سِفاحًا في وَقتِ طُهرٍ واحِدٍ "فوَلَدَتْ"، وفي روايةٍ الإمامِ أحمدَ: أنَّ الرَّجُلينِ ادَّعَيا الغُلامَ، ولم تَعرِفِ المرأَةُ أيُّهما أبوه، "فدعا عُمَرُ القافَةَ" وهم القَصَّاصون الذين يَعرِفون الأثَرَ بعَلاماتٍ مَعروفةٍ بينهم "فقالوا: قد أَخَذَ الشَّبَهَ منهما جميعًا"، والمعنى: أنَّهم لم يَستطيعوا الفصْلَ والحُكمَ أنَّه ابنٌ لواحِدٍ منهما، وأنَّ الوَلَدَ جَمَعَ بين صِفاتِ الرَّجُلينِ "فجَعَلَه عُمَرُ بينهما" بأنْ جَعَلَ الوَلَدَ ابنًا للرَّجُلينِ وهما أبواهُ، يَرِثانِه ويَرِثُهما وهو للباقي منهما، وقد كان عُمَرُ قائِفًا، ويدري كيف تَسيرُ الأُمورُ فيها، وإنَّما يُعتبَرُ حُكمُ القافَةِ حيثُ لا يُوجَدُ ظاهِرٌ يُتمسَّكُ به .
شرح مشكل الآثار (12/ 252) :
وذكر ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة ، عن توبة العنبري ، عن الشعبي عن ابن عمر : أن رجلين اشتركا في طهر امرأة، فولدت، فدعا عمر القافة، فقالوا: أخذ الشبه منهما جميعا، فجعله بينهما.
فهذا عمر قد استعمل في الأنساب أقوال القافة، فجعل الولد المدعى بين مدعييه جميعا بقولهم، وذلك منه بحضرة من سواه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينكروا ذلك عليه، ولم يخالفوه فيه، فدل ذلك على متابعتهم إياه عليه، فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن عمر لم يقض في ذلك بأقوال القافة؛ لأنهم إنما قالوا في حديث سعيد بن المسيب: إنهم لا يدرون لأيهما هو لأخذه الشبه منهما، فجعل عمر الولد منهما جميعا، وذلك غير ما قال القافة، فدل ذلك: أن عمر لم يقض بما قد جهله القافة بقول الفاقة الذي قد جهلوه، ولكنه قضى في ذلك بغيره، وهو مدعى مدعييه إياه بأيديهما عليه، وجواز قول كل واحد منهما فيه، وأما حديث توبة، فجعله بينهما، فقد يجوز أن يكون كان ذلك منه بعدما قد تقدمه ما في حديث سعيد بن المسيب، وبعد هذا كله، فإن المحتج علينا بحديثي عمر هذين لا يجعل الولد ابن رجلين، فإذا كان لا يجعله ابن رجلين، وعمر فقد جعله ابنهما كان هذا الحديث عليه لا له.