قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كيف أنتَ يا أبا ذرٍّ إذا بلَغ الناسَ منَ الجهادِ ما يعجزُ الرجلُ أن يقومَ مِن فراشِه إلى مصلَّاه ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ قال: تعفَّفْ ثم قال: كيف بكَ يا أبا ذرٍّ إذا كثُر الموتُ حتى يضيقَ البيتُ بالعبدِ ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ قال: تصبرُ ثم قال: كيف أنت يا أبا ذرٍّ إذا كثُر القتلُ حتى تغرقَ حجارةُ الزيتِ بالدماءِ ؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ قال: تلحقُ بمن أنتَ منه قلتُ: يا رسولَ اللهِ أفلا أحملُ معي السلاحَ ؟ قال: إذا تشارَك قال: قلتُ: كيف أصنعُ ؟ قال: إن خِفتَ أن يخيفَكَ شعاعُ السيفِ فألقِ مِن ردائِكَ على وجهِكَ يبوءُ بإثمِكَ وإثمِه

الدلالات الموضوعية:# سؤال - فضل التعفف والتصبر# فتن - النهي عن السعي في الفتنة# جهاد - النهي عن قتال المسلم# فتن - الصبر عند الفتن# أشراط الساعة - قتال المسلمين بين بعضهم بعضا
المصدر: إتحاف الخيرة المهرة
الراوي: أبو ذر الغفاري
المحدث: البوصيري
الحكم:رواته ثقات

بيانات التخريج:

أخرجه أبو داود (4261)، وابن ماجه (3958)، وأحمد (21325) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

يا أبا ذرٍّ قلتُ لبَّيكَ يا رسولَ اللَّهِ وسعديكَ فذَكَرَ الحديثَ قالَ فيهِ كيفَ أنتَ إذا أصابَ النَّاسَ موتٌ يَكونُ البيتُ فيهِ بالوصيفِ قلتُ اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ - أو قالَ ما خارَ اللَّهُ لي ورسولُهُ - قالَ عليكَ بالصَّبرِ - أو قالَ تصبرُ - ثمَّ قالَ لي يا أبا ذرٍّ قلتُ لبَّيكَ وسعديكَ قالَ كيفَ أنتَ إذا رأيتَ أحجارَ الزَّيتِ قد غرِقَت بالدَّمِ قلتُ ما خارَ اللَّهُ لي ورسولُهُ قالَ عليكَ بمن أنتَ منهُ قلتُ يا رسولَ اللَّهِ أفلا آخذُ سَيفي وأضعُهُ على عاتقي قالَ شارَكْتَ القومَ إذَن قلتُ فما تأمُرُني قالَ تلزَمُ بيتَكَ قلتُ فإن دخلَ على بَيتي قالَ فإن خشيتَ أن يبهَرَكَ شعاعُ السَّيفِ فألقِ ثوبَكَ على وجهِكَ يبوءُ بإثمِكَ وإثمِهِ الراوي : أبو ذر الغفاري المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 4261 خلاصة حكم المحدث : صحيح التخريج : أخرجه أبو داود (4261) واللفظ له، وابن ماجه (3958)، وأحمد (21325) كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم يُحذِّرُ أصحابَه رضِيَ اللهُ عَنهم من الفِتَنِ، وفي هذا الحديثِ يقولُ أبو ذَرٍّ رضيَ الله عنه: قالَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: يا أبا ذَرٍّ، قلتُ: "لبَّيكَ يا رَسولَ اللهِ وسَعديكَ"، أي: أُجِيبكَ يا رَسولَ اللهِ إجابةً لكَ بعدَ إجابةٍ، أَوْ أَقمْتُ عَلَى طاعَتِكَ إِقامَةً بَعدَ إقَامَةٍ، وَطَلَبتُ السَّعادَةَ لإِجابَتِكَ فِي كلِّ مرَّةٍ في الأُولَى وَالآخِرَةِ، وهذا يعني أنَّه مُجيبٌ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم ولِما يأمُرُه ومُؤكِّدٌ له على حُسنِ طاعتِه فيما يأمرُ بهِ، "فذكرَ الحديثَ"، أي: إنَّ الرَّاوي اختَصرَ رِوايتَه للحَديثِ، وفيه: "أنَّ أبا ذَرٍّ رضيَ اللهُ عنه كانَ رَدِيفَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم على حِمارٍ"، أي: كانَ يركبُ الحِمارَ خلفَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، "فلمَّا جاوَزا بيوتَ المدينةِ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "كيفَ بِكَ يا أبا ذَرٍّ"، أي: كيفَ يكونُ حالُكَ؟ وماذا سَتفعلُ؟ "إذا كانَ بالمدينةِ جُوعٌ تقومُ عن فِراشكَ ولا تبلُغُ مَسجِدَكَ حتى يُجهِدَكَ الجوعُ؟" وهذا كِنايةٌ عن شدَّةِ الجوعِ الذي لا يقدِرُ الإنسانُ معَه أن يَبلُغَ حاجتَه ولا أن يَذهبَ مِن بيتِه إلى المسجدِ، قال أبو ذَرٍّ: قلتُ: "اللهُ ورسولُه أعلَمُ"، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "تَعفَّفْ"، أي: لا تَطلُبْ حرامًا ولا تَسألِ الناسَ حاجتَكَ، وفي العِفَّةِ الصَّلَاحُ وَالوَرَعُ وَالتَّصَبُّرُ عَلَى أَذَى الْجُوعِ.

ثمَّ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "يا أبا ذَرٍّ، كيفَ أنتَ إذا أصابَ الناسَ موتٌ"، أي: بِسَبَبِ الْقَحْطِ أَوْ وَبَاءٍ أَوْ غَيْر ذلك "يكونُ البيتُ فيهِ بالوَصيفِ؟"، أي: تكونُ قيمةُ حَفرِ القَبرِ بثَمنِ العبدِ؛ وذلكَ لِكَثرةِ دَفنِ الموْتى فلا يُوجَدُ مكانٌ للدَّفنِ، والمرادُ بالبيتِ القَبرُ، وقيلَ: إنَّ البُيوتَ سَتخلو مِن أهلِها ويكونُ قيمتُها بقيمةِ العبدِ، قد وردَ في رِوايةٍ أُخرى مُوضِّحة "كيفَ بكَ يا أبا ذَرٍّ، إذا كانَ بالمدينةِ مَوتٌ يبلُغُ البيتُ العبدَ حتى إنَّه يُباعُ القَبرُ بالعبدِ"، وقيلَ غيرُ ذلكَ.

فقالَ أبو ذرٍّ: "اللهُ ورُسولُه أعلمُ"، أو قال "ما خارَ اللهُ لي ورَسولُه"، أي: عِلمُ ما أفعلُه في ذلكَ الوقتِ عندَ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم، أو ما يُبيِّنُ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم فِعلَه ويختارُه لي، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "علَيكَ بالصَّبرِ- أو قالَ: تصبَّرْ".

قال أبو ذَرٍّ: ثم قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم لي: "يا أبا ذَرٍّ" قلتُ: "لبَّيكَ وسَعدَيكَ" قالَ: "كيفَ أنتَ إذا رأيتَ أحجارَ الزَّيتِ" وهوَ مَكانٌ حولَ المدينةِ أو مِنطقةُ الحَرَّةِ التي خارجَ المدينةِ، "قد غَرِقتْ بالدَّمِ"؟ وهو كِنايةٌ عن كَثرةِ القَتلِ فيها والفِتنةِ التي ستحدُثُ، قلتُ: "ما خارَ اللهُ لي ورَسولُه" قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "عليكَ بمنْ أنتَ مِنه"، أي: الزَمْ أهلكَ وبيتَكَ ولا تَشغَلْ نفسَك بما سَيحدُثُ من فتَنٍ، وقيلَ المرادُ بقولِه: "بمنْ أنتَ مِنه" الإمامُ، أي: الزَمْ إمامكَ ومَن بايَعتَه.

قال أبو ذَرٍّ: قلتُ: "يا رَسولَ اللهِ، أفلا آخُذُ سَيفي وأضَعُه على عاتِقي؟"، أي: يكونُ في حالةِ استِعدادٍ لِمَن يُقاتِلُه، والعاتِقُ: ما بينَ المنكِبِ والعُنقِ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "شارَكْتَ القومَ إذَنْ"، أي: شارَكْتَهم في الفِتنةِ وتتحمَّلُ من الآثامِ مَعهم، إذا حملتَ السِّلاحَ، قلتُ: "فما تأمُرُني؟" قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "تَلزَمُ بيتَكَ"، أي: مؤكِّدًا عليهِ لُزومَه بيتَه دُونَ أدْنى مشاركةٍ منه في الفِتنِ، قلتُ: "فإن دخلَ عليَّ بَيتي"؟ أي: دخلَ عليهِ مَن يُريدُ قتلَه، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "فإنْ خَشِيتَ أن يُبهِرَك شُعاعَ السَّيفِ" شُعاعُ السَّيفِ: بريقُه ولُمعانُه، أي: إن خِفتَ أن يغلِبَك بَريقُ السَّيفِ فتَحمِلُه وتُعملُ السَّلاحَ فيهمْ، أو إنْ جعلَكَ خوفُك من السيفِ أنْ تدفعَ مَن دخلَ عليكَ بيتَكَ، "فألقِ ثَوبكَ على وَجهِكَ"، أي: فاجْعلْ ثوبكَ على وَجهِك حتى لا تَرَى شيئًا، واستَسلِم للقاتلِ "يَبوءُ بإثِمكَ وإثْمِه"، أي: فتكونُ مَقتولًا وليسَ قاتلًا فتدخلُ الجنةَ ويدخلُ القاتلُ النارَ، وهذا ليسَ من بابِ الجُبنِ أو عدمِ الدِّفاعِ عن النفسِ، ولكنَّه مِن بابَ تركِ المشارَكةِ في إراقةِ الدِّماءِ وخاصَّة إذا كانتِ الفِتنةُ بينَ المسلمينَ وكان القاتلُ مُسلِمًا، أمَّا إذا كانَ كافرًا فينغي دفْعُ الصائلِ.

الأصول والأحكام

[سنن أبي داود] (4/ 163 ط مع عون المعبود) ‌4261- حدثنا مسدد، نا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: ((قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله، وسعديك، فذكر الحديث، قال فيه: كيف أنت إذا أصاب الناس موت؟ يكون البيت فيه بالوصيف يعني القبر، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، أو قال: ما خار الله لي ورسوله.

قال: عليك بالصبر أو قال: تصبر ثم قال لي: يا أبا ذر قلت: لبيك وسعديك، قال: كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غرقت بالدم؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله.

قال: عليك بمن أنت منه قال: قلت: يا رسول الله، أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي.

قال: شاركت القوم إذا قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك قال: قلت: فإن دخل علي بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه)) قال أبو داود: لم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد

[سنن ابن ماجه] (2/ 1308 ) ‌3958- حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف أنت يا أبا ذر وموتا يصيب الناس حتى يقوم البيت بالوصيف؟))- يعني القبر- قلت: ما خار الله لي ورسوله- أو قال: الله ورسوله أعلم- قال: ((تصبر)) قال: ((كيف أنت، وجوعا يصيب الناس، حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك، ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم- أو ما خار الله لي ورسوله- قال: ((عليك بالعفة)) ثم قال: ((كيف أنت، وقتلا يصيب الناس حتى تغرق حجارة الزيت بالدم؟)) قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال: ((الحق بمن أنت منه))، قال: قلت: يا رسول الله أفلا آخذ بسيفي، فأضرب به من فعل ذلك، قال: ((شاركت القوم إذا، ولكن ادخل بيتك))، قلت: يا رسول الله فإن دخل بيتي؟ قال: ((إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك، فيبوء بإثمه وإثمك، فيكون من أصحاب النار))

[مسند أحمد] (35/ 252 ط الرسالة) ((‌21325- حدثنا مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه، وقال: (( يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟)) قال: الله ورسوله أعلم.

قال: (( تعفف)) قال: (( يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد- يعني القبر- كيف تصنع؟)) قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: (( اصبر)).

قال: (( يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا- يعني- حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟)) قال: الله ورسوله أعلم.

قال: (( اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك)).

قال: فإن لم أترك؟ قال: (( فأت من أنت منهم، فكن فيهم)) قال: فآخذ سلاحي؟ قال: (( إذا تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك))

أحاديث ذات صلة