لمَّا تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ دُعي له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للصَّلاةِ عليه ، فقام إليه فلمَّا وقف عليه يريدُ الصَّلاةَ تحوَّلتُ حتَّى قمتُ في صدرِه ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ أَعلَى عدوِّ اللهِ ، عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ القائلِ يومَ كذا كذا وكذا ؟ يعدِّدُ أيَّامَه قال : ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يتبسِمُ حتَّى إذا أكثرتُ عليه ، قال : أخِّرْ عنِّي يا عمرُ إنِّي خُيِّرتُ فاخترتُ قد قيل لي { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } [ التوبة 80 ] لو أعلمُ أنِّي إن زدتُ على السَّبعين غُفِر له لزدتُ قال : ثمَّ صلَّى عليه ومشَى معه ، فقام على قبرِه حتَّى فرغ منه ، قال : فعجبًا لي وجراءتي على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واللهُ ورسولُه أعلمُ قال : فواللهِ ما كان إلَّا يسيرٌ حتَّى نزلت هذه الآيةُ { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [ التوبة 84 ] فما صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعده على منافقٍ ولا قام على قبرِه حتَّى قبضه اللهُ عزَّ وجلَّ

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# صلاة الجنازة - ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين# جنائز وموت - لا يصلى على المنافق# تفسير آيات - سورة التوبة# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وتبسمه
المصدر: مسند الفاروق
الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: علي بن المديني
الحكم:إسناده جيد

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (1366)، والترمذي (3097)، والبزار (193)، وابن حبان (6949) واللفظ لهم جميعا.

الشرح والتوضيح

لَمَّا تُوُفِّيَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابنُهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فيه أباهُ، فأعْطاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عليه، فَقامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيُصَلِّيَ عليه، فَقامَ عُمَرُ فأخَذَ بثَوْبِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، تُصَلِّي عليه وقدْ نَهاكَ رَبُّكَ أنْ تُصَلِّيَ عليه؟! فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فقالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] ، وسَأَزِيدُهُ علَى السَّبْعِينَ، قالَ: إنَّه مُنافِقٌ! قالَ: فَصَلَّى عليه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] .

الراوي : عبدالله بن عمر المحدث : البخاري المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4670 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه مسلم (2774) باختلاف يسير كان عَبدُ اللهِ بنُ أبَيٍّ ابنُ سَلولَ رَأسَ المنافقِينَ في المدينةِ، وكان يُبطِنُ عَداوةَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلِمينَ، ولكِنْ لم يَمنَعْ ذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يُكافِئَه على بَعضِ الأُمورِ؛ من رَحْمَتِه، ولبَعضِ الحِكَمِ الأُخرى، كما في هذا الحديثِ؛ حيث يروي عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه لَمَّا تُوُفِّيَ عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ المنافِقُ، جاء ابنُه عبدُ اللهِ رَضِي اللهُ عنه -واسمُه مِثلُ اسمِ أبيه، وكان مِن المُخلِصين وفُضَلاءِ الصَّحابةِ- إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَأَلَه أنْ يُعطِيَه قَمِيصَه يُكفِّنُ فيه أباه، فأعطاهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَميصَه، ثُمَّ سَأَلَه أنْ يُصلِّيَ عليه صلاةَ الجِنازةِ، فقام صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيُصَلِّيَ عليه؛ لكَمالِ شَفقتِه على مَن تَعلَّقَ بطَرَفٍ مِن الدِّينِ، ولتَطْييبِ قلْبِ وَلدِه الصَّالحِ عبْدِ اللهِ، ولتَألُّفِ قَومِه لرِياستِه؛ فاسْتعمَلَ أحْسَنَ الأمرينِ في السِّياسةِ، فقام عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، فأَمْسَكَ ثَوبَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، تُصَلِّي عليه وقد نَهَاكَ ربُّك أنْ تُصلِّيَ عليه؟! قيل: لعَلَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه فَهِمَ ذلك من قَولِه تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] ، أو مِن قَولِه: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} كأنَّه فهم أن «أو» ليست للتخييرِ، بل للتسويةِ في عَدَمِ الوَصفِ المذكورِ، أي: إنَّ الاستغفارَ لهم وعَدَمَ الاستغفارِ سواءٌ.

فرَدَّ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّما خَيَّرَنِي اللهُ» بيْنَ الاستغفارِ وعدَمِه «فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ}، وسَأَزِيدُه على السَّبْعِين»؛ طَمَعًا أنْ يكونَ له عندَ الموتِ إنابةٌ، فحَمَلَه مَحْمَلَ المُؤمنين؛ رَجاءَ رَحمةِ اللهِ له بذلك، ومَنْفعتِه، وتَطْييبًا لقلبِ ابنِه وبِرًّا به، فقال عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: إنَّه مُنافِقٌ! ولكِنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذهب فصلَّى عليه، فأنزَل اللهُ تعالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}، فأَوضَحَ اللهُ تعالَى له الأمْرَ ورفَعَ الاحتمالَ، وقطَعَ منه الرَّجاءَ، بنَهْيِه عن الصَّلاةِ عليه وعلى أمثالِه ممَّن ظَهَر نِفاقُه، والقيامِ على قُبورهم للدُّعاءِ لهم، وأعْلَمَه بأنَّهم كَفروا باللهِ وماتوا على ذلِك.

وفي الحَديثِ: ما كان عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الصَّفحِ والعَفْوِ عمَّن يُظهِرُ الإسلامَ ولو كان باطنُه على خِلافِ ذلك؛ لمَصْلحةِ الاستئلافِ وعدَمِ التَّنفيرِ عنه، وذلك قبْلَ نُزولِ النَّهيِ الصَّريحِ عن الصَّلاةِ على المنافقِين وغيرِ ذلك ممَّا أُمِر فيه بمُجاهرتِهم.

وفيه: مَشروعيَّةُ تَكفينِ المَيتِ في القَميصِ.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (2/ 97) :

1366 - حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ‌عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، أنه قال: ‌لما ‌مات ‌عبد ‌الله ‌بن ‌أبي ‌ابن ‌سلول، ‌دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخر عني يا ‌عمر فلما أكثرت عليه، قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا، حتى نزلت الآيتان من براءة: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} [التوبة: 84] إلى قوله {وهم فاسقون} [التوبة: 84] قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم

سنن الترمذي (5/ 279) :

3097 - حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: سمعت ‌عمر بن الخطاب ، يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره.

فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ - يعد أيامه - قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: " أخر عني يا ‌عمر إني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت "، قال: ثم صلى عليه ومشى معه، ‌فقام ‌على ‌قبره ‌حتى ‌فرغ ‌منه، قال: فعجب لي وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] إلى آخر الآية، قال: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله: هذا حديث حسن صحيح غريب

[مسند البزار - البحر الزخار] (1/ 298) :

193 - حدثنا موسى بن عبد الله الخزاعي قال: نا بكر بن سليمان قال: نا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ‌عمر قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن ‌سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي قد مات فصل عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه أصحابه وقمت، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه قمت في صدره فقلت: يا رسول الله تصلي على عدو الله ‌القائل ‌يوم ‌كذا ‌كذا وكذا، والقائل يوم كذا كذا وكذا، أعدد أيامه الخبيثة؟ قال: فلما أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " دعني يا ‌عمر فإني قد خيرت {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] ولو علمت أني إذا زدت على السبعين مرة غفر لهم لزدت ".

قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام على قبره قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما برحت حتى نزلت الآية {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] قال: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد منهم، ولا قام على قبره " وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الزهري، إلا محمد بن إسحاق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الصلاة على عبد الله بن أبي من وجوه بألفاظ مختلفة

صحيح ابن حبان - مخرجا (7/ 449) 3176 - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يقول: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، يقول: لما توفي عبد الله بن أبي، أتى ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هذا عبد الله بن أبي قد وضعناه، فصل عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام يصلي عليه، قمت في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله أتصلي على عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا، والقائل يوم كذا كذا وكذا، أعدد أيامه الخبيثة، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عني يا عمر ، حتى إذا أكثرت قال: عني يا عمر، فإني قد خيرت، فاخترت، إن الله يقول: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80] ولو أعلم أني زدت على السبعين غفر له، لزدت قال عمر: فعجبا لجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فلما قال لي ذلك، انصرفت عنه، فصلى عليه، ثم مشى معه، فقام على حفرته حتى دفن، ثم انصرف، فوالله ما لبث إلا يسيرا حتى أنزل الله جل وعلا: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعد ذلك، ولا قام على قبره

أحاديث ذات صلة