من حلفَ على يمينِ صبرٍ يقتَطعُ بِها مالَ امرئٍ مسلِمٍ لقيَ اللَّهَ وَهوَ عليهِ غَضبانُ فأنزلَ اللَّهُ تصديقَ ذلِكَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# أقضية وأحكام - من حلف على يمين فاجرة# أقضية وأحكام - من قضي له بحق أخيه# أقضية وأحكام - قضايا حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم# تفسير آيات - سورة آل عمران# عقيدة - إثبات صفات الله تعالى
المصدر: المحلى
الراوي: عبدالله بن مسعود
المحدث: ابن حزم
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه البخاري (6676)، ومسلم (138) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

ليسَ علَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيما لا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ في الدُّنْيَا عُذِّبَ به يَومَ القِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَن حَلَفَ علَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ.

الراوي : ثابت بن الضحاك المحدث : مسلم المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 110 خلاصة حكم المحدث : [صحيح] التخريج : أخرجه البخاري (6047)، ومسلم (110).

لقد أُوتيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جوامِعَ الكَلِمِ، فكانَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعِظُ النَّاسَ بأقلِّ الكلماتِ التي تَحمِلُ الكَثيرَ منَ المَعاني، وكانت تَبلُغُ مَوعظتُه القلوبَ.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لا يَصِحُّ أن يَجعَلَ أحدٌ على نفسِه نَذرًا في شَيءٍ لا يَملِكُه، كأن يقولَ مثلًا: علَيَّ نَذرٌ إن شَفى اللهُ وَلَدي لأذبَحنَّ بَقرةَ جاري فلانٍ! فلا يَنذِر الرَّجلُ إلَّا في شَيءٍ يَملِكُه أو يَقدِرُ عليهِ؛ لأنَّ النَّذرَ إلزامٌ للنَّفسِ بتَنفيذِ أمرٍ وفِعلِه.

ثُمَّ قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ولَعنُ المؤمِنِ»، أيِ: الدُّعاءُ عليه بالطَّردِ من رَحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ هو كَمَن قَتَلَ مُؤمِنًا في الإثمِ والجزاءِ، فاللَّعنُ إبعادٌ عن رَحمةِ اللهِ، والقتلُ إبعادٌ عنِ الحَياةِ، وهذا من أعظَمِ التَّحذيرِ في رَميِ المُسلِمِ بالكُفرِ واللَّعنِ.

ثُمَّ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ مَن يَقتُلُ نَفسَه بأيِّ شيءٍ -مِثلِ آلةٍ أو سُمٍّ، أوِ التَّردِّي منَ الجبلِ- في الدُّنيا، فسَوفَ يُعذِّبُه اللهُ في الآخِرةِ بِذلك الشَّيءِ الذي قَتَلَ به نفسَه، فيَكونُ الجزاءُ من جِنسِ الجِنايةِ.

وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ مَنِ ادَّعى «دَعْوى كاذِبةً»، أي: باطلةً، كأن يدَّعيَ نَسَبًا إلى قومٍ وهو كاذبٌ، أو يَدَّعيَ حقًّا ليس له؛ ليَنالَ بتلكَ الدَّعوةِ مالًا أو مَنفعةً يُكثِرُ بها مالَه ويُزوِّدُ بها مَتاعَه، «لم يَزِدْه اللهُ إلا قِلَّةً»، فيُجازيه اللهُ تَعالَى بخلافِ قصدِه؛ فإنَّه ما ادَّعى دَعوى كاذبةً إلَّا تَكثيرًا لمالِه، فعامَلَه اللهُ نَقيضَ قصدِه، فقلَّلَ اللهُ مالَه، وسيكونُ جَزاؤُه بدَلَ الزّيادةِ قِلَّةً ومَحقًا في البَرَكةِ.

وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيضًا أنَّ مَن حَلَفَ على يَمينِ صَبرٍ، وهي اليَمينُ التي يُلزَمُ بها المرءُ أمامَ قاضٍ، أو عندَ حاكمٍ، أو في شَهادةٍ، أو غيرِ ذلكَ؛ حيثُ يُلزِمُه القاضي بها ولا يَترُكُه حتَّى يُؤدِّيَها، وسُمِّيت صَبرًا؛ لأنَّ الحالِفَ يُحبَسُ ويُمسَكُ حتَّى يُؤدِّيَ الحَلِفَ، و«فاجرةٍ»، أي: كاذِبةٍ، قيلَ: لم يَأتِ في هذا الحديثِ عِقابُ مَن يَفعَلُ ذلكَ إلَّا أن يَكونَ هذا عطفًا على عِقابِ مَن قبلَه، فيَكونُ عِقابُه: «لم يَزِدْه اللهُ إلَّا قِلَّةً»، أي: بَدَلَ الزِّيادةِ قِلَّةً ومَحقًا في البَركةِ.

وقيلَ: إنَّ العِقابَ جاءَ مُبَيَّنًا في حَديثٍ آخَرَ في الصَّحيحَين عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن حلَفَ على يَمينِ صَبرٍ لِيَقتَطِعَ بها مالَ امرئٍ مُسلمٍ هو فيها فاجِرٌ؛ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ»، وفي القرآنِ تَصديقُ ذلكَ في قولِ اللهِ تَعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] ، أي: يَستبدِلون بعَهدِ اللهِ وأيمانِهم حُظوظَ الدُّنيا وشَهواتِها الزَّائلةَ، نحوَ المالِ والمَنافعِ وغيرِها، ووُصِفَ الثَّمنُ هنا بالقِلَّةِ تَحقيرًا له؛ إذ إنَّه نَظيرُ خيانةِ عهدِ اللهِ، والاجتراءِ على اليَمينِ الكاذبةِ، فلا يَكونُ إلَّا قَليلًا وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من أعراضِ الدُّنيا، بجانِبِ رِضا اللهِ والوَفاءِ بعُهودِه.

وفي الحديثِ: النَّهيُ عنِ النَّذرِ إلَّا فيما يَملِكُ العبدُ.

وفيه: النَّهيُ عن الحلفِ كذِبًا.

الأصول والأحكام

[صحيح البخاري] (8/ 137) 6676- حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} إلى آخر الآية، 6677- فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، قال: في أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بينتك أو يمينه.

قلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)).

[صحيح مسلم] (1/ 122 ) ((220- (138) وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة.

حدثنا وكيع.

ح وحدثنا ابن نمير.

حدثنا أبو معاوية ووكيع.

ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (واللفظ له) أخبرنا وكيع.

حدثنا الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: ((من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان)) قال، فدخل الأشعث ابن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قالوا: كذا وكذا.

قال: صدق أبو عبد الرحمن.

في نزلت.

كان بيني وبين رجل أرض باليمن.

فخاصمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ((هل لك بينة؟)) فقلت: لا.

قال(( فيمينه)) قلت: إذن يحلف.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند ذلك(( من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان)) فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [3/آل عمران/ الآية 77] إلى آخر الآية)).

أحاديث ذات صلة