كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَضَحِكَ، فَقالَ: هلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: مِن مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ؛ يقولُ: يا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يقولُ: بَلَى، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي لا أُجِيزُ علَى نَفْسِي إلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قالَ: فيَقولُ: كَفَى بنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فيُخْتَمُ علَى فِيهِ، فيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بأَعْمَالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بيْنَهُ وبيْنَ الكَلَامِ، قالَ: فيَقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا؛ فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ.

الدلالات الموضوعية:# قيامة - الحساب والقصاص# تفسير آيات - سورة يس# قيامة - العرض# قيامة - شهادة الأعضاء على ما اقترف صاحبها# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وتبسمه
المصدر: صحيح مسلم
الراوي: أنس بن مالك
المحدث: مسلم
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (11589)، وأبو عوانة في ((مستخرجه على مسلم)) (12920) كلاهما بلفظه، وابن حبان (7358) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

يَومُ القيامةِ هو يومُ الحسابِ للعبادِ على أعمالِهِم، فيُقيمُ اللهُ عزَّ وجلَّ في يَومِ القِيامةِ مِيزانَ العَدلِ؛ فلا يُظلَمُ عندَه أحدٌ، ومِن مَظاهرِ عَدلِه سُبحانَه في هذا اليَومِ العَصيبِ: إنطاقُ جَوارحِ وأعضاءِ الإنسانِ لِتَكونَ شُهودًا عليه.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم كانوا عندَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَضَحِكَ، فَقال لأَصحابِه: «هَل تَدرونَ مِمَّا أَضْحَكُ؟»، وكأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اطَّلَعَ على أمرٍ مِن الوحيِ، فأحَبَّ أنْ يُعلِمَه أصحابَه، فقال الصَّحابةُ: «اللهُ ورَسولُه أَعلمُ» وهذا مِن حُسنِ الأدبِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ حتَّى يَعلَموا السَّببَ والموعظةَ الَّتي عندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيَذكُرَها لهم.

ثُمَّ بَيَّنَ لهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَببَ ذَلك فَقال: «مِن مُخاطبَةِ العَبدِ رَبَّه» يَومَ القِيامةِ، فيَقولُ العبدُ: «يا رَبِّ، ألم تُجِرْني مِنَ الظُّلمِ؟» أي: تُؤَمِّنِّي من أنْ تَظلِمَني، فيَقولُ اللهُ في جَوابِ العَبدِ: بَلى، فيقولُ العبدُ: «فإِنِّي» أي: فإذا أَجَرْتَني مِنَ الظُّلمِ فَإِنِّي لا أُجَوِّزُ وَلا أَقبَلُ على نَفسي إِلَّا شاهدًا منِّي، يَشهَدُ على صِدقِ قَولي وصَلاحي وحُسنِ طاعَتي؛ وذلك عِندما يُحاسِبُه اللهُ عزَّ وجلَّ ويَسأَلُه عن عَملِه في الدُّنيا، وكأنَّ الرَّجلَ أراد بالشَّاهدِ أقارِبَه ومَن كانوا يَرَونه في الدُّنيا يَأتي تلكَ الأعمالَ، فَيَقولُ اللهُ تَعالَى: «كَفى بنَفسِكَ اليومَ عَليكَ شَهيدًا»، أي: إذا أردْتَ شُهودًا، فأقرَبُ ما يكونُ منكَ هو أعضاءُ جَسدِكَ؛ فهُم مَن كانوا يَحضُرونَك وقْتَ بُعدِكَ عن أعيُنِ مَن تُظهِرُ لهم أعمالَ الطَّاعةِ، وتُسِرُّ عنهم أعمالَ المنكَرِ والمعاصي، وأيضًا فإنَّ مِن الشُّهودِ عليك: «الكِرامَ الكاتِبينَ»، كما جاء ذِكرُهم في قولِ اللهِ تَعالَى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12]، والمرادُ بهم: الملائكةُ الَّذين يَحفَظون ويَكتُبون على النَّاسِ أعْمالَهُم في صُحُفِ الأَعمالِ شُهودًا؛ وهذا تأكيدٌ وتَقريرٌ واستجابةٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ لِمَطلوبِه، فيُختَمُ على فَمِه، فيُقالُ لأَعضائِه: انطِقي، فتَنطِقُ الأَركانُ بأَعمالِه وأَفعالِه الَّتي باشَرَها وارْتَكبَها، ثُمَّ يُترَكُ بَينه وبَينَ الكَلامِ فيُرفَعُ الخَتمُ مِن فَمِهِ حتَّى يَتكلَّمَ بالكَلامِ الآدميِّ المُعتادِ، فيقولُ لأعضائِه الَّتي شَهِدَت عليه: بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا، أي هَلاكًا لَكُنَّ، «فعَنْكُنَّ» أي: لأَجْلِ خَلاصِكُنَّ، كُنتُ أُناضلُ وأُدافِعُ وأُجادلُ؛ وهذا حالُ المنافِقِ، كما روى مُسْلمٌ مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ أنَّه يقولُ: «مَن ذا الَّذي يَشهَدُ علَيَّ؟ فيُختَمُ على فِيهِ، ويُقالُ لِفَخِذِه ولَحْمِه وعِظامِه: انْطِقِي، فتَنطِقُ فَخِذُه ولَحْمُه وعِظَامُه بعَمَلِه؛ وذلكَ لِيُعْذِرَ مِن نَفْسِهِ، وذلكَ المُنَافِقُ، وذلكَ الَّذي يَسْخَطُ اللهُ عليه».

وفي الحديثِ: إظهارُ اللهِ سُبحانَه عَدْلَه لعِبادِه.

وفيه: بَيانُ حِسابِ اللهِ للعبدِ ووُقوفِه بيْنَ يَديهِ.

وفيه: بَيانُ شَهادةِ الأعضاءِ ونُطقِها بما فَعَلَ صاحِبُها يومَ القيامةِ.

الأصول والأحكام

[صحيح مسلم] (4/ 2280 ) :

17 - (2969) حدثنا أبو بكر بن النضر بن أبي النضر.

حدثني أبو النضر، هاشم بن القاسم.

حدثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال "هل تدرون مما أضحك؟ " قال قلنا: الله ورسوله أعلم.

قال "من مخاطبة العبد ربه.

يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ قال يقول: بلى.

قال فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني.

قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا.

وبالكرام الكاتبين شهودا.

قال فيختم على فيه.

فيقال لأركانه: انطقي.

قال فتنطق بأعماله.

قال ثم يخلى بينه وبين الكلام.

قال فيقول: بعدا لكن وسحقا.

فعنكن كنت أناضل".

السنن الكبرى - النسائي - ط الرسالة (10/ 326) :

11589 - أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر، أخبرني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس ، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك، فقال: هل تدرون مما ضحكت؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، فيقول: ‌كفى ‌بنفسك ‌اليوم ‌عليك ‌شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل "، قال أبو عبد الرحمن: ما أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله أعلم.

مستخرج أبي عوانة (22/ 306) :

12920 - حدثنا أبو العباس هارون بن العباس بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، حدثنا أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك ، قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: "لا تسألوني لم ضحكت؟ " قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه، قال: يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: ‌كفى ‌بنفسك ‌اليوم ‌عليك ‌شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فقال لأركانه: انطقى، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل".

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (16/ 358) :

7358- أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف قال: حدثنا أبو بكر بن أبي النضر قال: حدثنا أبو النضر قال: حدثنا الأشجعي عن سفيان عن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: "هل تدرون مما أضحك"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني فيقول: ‌كفى ‌بنفسك ‌اليوم ‌عليك ‌شهيدا وبالكرام الكاتبين عليك شهيدا فيختم على فيه ثم يقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" .

أحاديث ذات صلة